للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك المجد الأشرف والجناب الأرحم والأرأف، ورحمة الله وبركاته.

وكتب إليَّ من الإسكندرية كتابًا مع قصيدته التي جهزها، وعقيلته التي مثل العروس أبرزها، كتابًا طوّله وتطوّل به، وأرسله، ومنه:

وهي قصيدة بنى أمره على إطالتها فقصرها، وعلى أنه يقتدر به حق تلكم الجلالة فما قدرها، وظنّ أنه يعذر بها من قريحته أمله، فما أعذر منها ولا أعذرها، وتوهم أنه مقدم بها وسائله فأخره لما رأى تأخرها، على أن تلكم السيادة أشرف من كلّ ما يقال، وتلكم المجادة أعظم من جميع ما يجليه فكرًا ويدور على بال، وما المادح لها وإن أطنب، والواصف لها وإن خيم على السهى والفرقد وطنّب، إلا مقصرًا غير معذور، وشاكرًا مبالغًا غير مشكور، لأنها لا تعطى حقًا ولا توفّى، والساكب في مقام جلالتها أبلغ من المتكلم، فإن نور الشمس لأكفى.

وهذا وإن ذكر من كان بمصر لوقوعها في قسم المغرب وطلوعها به لما فاتها أن تكون نجم الصباح نجم المغرب، وهذا وإن سلم فيه إلى الحق، فهو مما تشرق لمصيبتها صدور الشرق، لأنه جارها الأدنى، وهي قطعة منه في حقيقة المعنى. ولكن كيف الحيلة. مما أوقع الله عليه قسمة بلاده. وسهم ما سطح عليه كرة الأرض لعباده، وها أنا إذا ذكرتُ من أنار من أقمار الكتاب في غربها، أغض عيون الشرق بفيض غربها، مما أنأى الشرق عن قربها، وسلّ من خلجها سيوفًا لا ترضى الجوزاء لحمائلها، ولا الغمائم لقربها. سقوا بماء النيل فبانت حلاوته في منطقهم وجاور أملاق مقطعاته فجاؤوا بمثلها في ملقهم، ورأوا الهرمين فأتوا قواعده في بنيانهم، وولدوا في أرض السحرة، فتعلموا منهم السحر واستعلموه في بيانهم.

ومنهم:

[[٦٤] ابن عبدكان، كاتب ابن طولون]

كان على طريق الأوائل. إلا أنه يجرع ريق الغصص سحبان وائل، شاعر مدره، وكاتب له على قطع المنازع قدره، وفصيح كل كلمة يقولها ببدرة، بل بدره، ومن نثره قوله:

أو مثلك يظنّ بمثلي هذا، وأنا - أطال الله بقاءك - أربُّ الصنيع لا أكفره، وأرعى الذمام ولا أخفره، وأحمل الكل وإن هاضني، وانبسط للصاحب وإن رابني، وأبذل عن صديقي الوفي نفسي فداء إن قبلت، ووفاءً إن رضيت. أضنّ بحديث سميري، ولا أطلع

<<  <  ج: ص:  >  >>