يده أكثر ما نقلت (١)، على أنّه لم يخلص إلي من غمامه إلا قطرة، ولا حصلت إلي من حسامِهِ إلا إبرة، فلذلك ما ارتشفت ثمادي، ونفخت فيما لم أجده من كلامه رمادي (٢). وأنفقت في ذلك من تافه زادي.
ومنه قوله (٣):
بنادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار، نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود.
ومنه قوله:
وكان أبو الوليد - يعني ابن زيدون - أحد من جرّ الأيام جرًا، وفات الأنام طرًا، إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر قرانه، وحظ من النثر غريب المعاني شعري [الألفاظ (٤)] والمعاني.
أخبرني غير واحد من شعراء (٥) أشبيلية قال: لما خَلَصَ ابن عبد البر (٦) من يد عباد، خلوص الفرزدق من يد زياد، بقيت حضرته من أهل هذا الشان، أعرى من ظهر الأفعوان، وأخلى من صدر الجبان، فهم [يوما](٧) باستخلاف أبي [عمر](٨) الباجي، فكأن أبا الوليد غص بذلك، وواطأ [أبا محمد](٩) ابن الجد على الإشارة (١٠) بالاستغناء عما هنالك، فكانت (١١) الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرقي الأندلس، فيقال: تأتي من أشبيلية كتب هي بالنظم الخطي أشبه منها بالنثر (١٢).
ومنه قوله (١٣):
(١) بعده في الذخيرة وتحريت جهدي اقتضاب ما طوّل، وتخفيف ما ثقل … إلخ. (٢) في الأصل: فيما لم أجده من كلام رمادي. (٣) الذخيرة: ق ١ مج ١ ص ٣٣٦. (٤) كلمة (الألفاظ) ليست في الأصل. وهي من الذخيرة. (٥) في الذخيرة وزراء. (٦) ابن عبد البر: هو أبو محمد عبد الله بن عبد البر النمري. ترجمه ابن بسام في ق ٣ مج ١ ص ١٢٥. (٧) زيادة عن الذخيرة. (٨) في الأصل: أبو محمد، وهو يوسف بن جعفر، سيترجمه المؤلف فيما بعد، والتصويب عن الذخيرة. إلا أن المحقق أشار في الهامش أنها وردت في الأصل (أبو محمد). (٩) زيادة عن الذخيرة. (١٠) في الأصل بالإشارة والتصويب عن الذخيرة. (١١) في الأصل: وكانت. (١٢) في الذخيرة: كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور. (١٣) النص في الذخيرة ق ١ ج ١ ص ٤٢٩.