للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

محل العليا، ومنتهى سدرة الدنيا، حضرة المعتمد بالله، وقلت (فنعم عقبى الدار) (١) ما ينكر لأهل الجنة السلوك على متن النار، وكنت أسمع أنباءه فأستغرب، وأنزع تلقاءه فأستدني وأستقرب، حتى رأيتُ عيانًا، واستوضحت بيانًا، فإذا الخبر أزرى بالخبر، والعيان قد أربى على الأثر، وقلت: بحق سأل الكليم رؤية الرب، وقال إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِن ليَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢) وأني رأيت ملكًا لا يصعد الطرف إليه إجلالًا، ولا تطيق النفس (٣) عنه انفصالًا، قد جمع مهابة العدل إلى ودادة الفضل، وجلالة المنصب، إلى لطافة الأدب، وركانة القُعْدُد، إلى بشاشة التودّد، وبرق الحسام، إلى ودق الأيادي الجسام، إن رمق الأعداء، فأجفان نصاله طارفة الشفار، أو وصل الاوداء (٤)، فأنداء بنانه آلفة الأوطار، ضالته (٥) الحكمة، وشريعته (٦) الحجة، وإن رأى حقيقةً أنصف. وإن رمى بحجة أهدف، يُصيب بذهنه حدق الغيوب، ويعلم بظنه خائنة الأعين والقلوب:

الألمعي الذي يظنّ لك الظنَّ … كأن قد رأى وقد سمعا (٧)

والمعتضد بالله، لا يدع في ذلك تأنيسي بكلّ تُحفة يُهديها مع الأحيان، وطرفة يوليها مع كل دقيقة من الزمان، ولقد تاحفني يومًا عندما طرأت الأشابيل (٨) بالنهر (٩)، وانسربت من البحر، بعدة أسماك منثنية الذوائب، متمكنة (الحياة) (١٠) لدنة النقل والحركات، فلظت في مائها تطير ساعة، وتسبح طائرة، وأقبلت تأخذه مرة جاثية ومرة سائرة، وقد تختمت بالعقيان في جفونها، وتتوجت بالجمان في عرانينها، وتطوقت بالمرجان في عثانينها، وعُذرت بالريحان فوق متونها (١١)، وأربت على النشوان في اضطرابها ولينها، فأعملتُ فكري في شذوذ هذه الصفات، وغرابة هذه الآيات، حتى عرفت تعليلها، وفككت تأويها، فإذا بها قد شربت ماء نداه فلم يعدم حيوانها، ورأت محياه فخصت بالحلية أجفانها، وقبلت بساط مثواه فطوقت بالدر مراشفها.

أما ما نذيله عليه، ونمليه إليه، ليأخذ بعضه ببعض، ولا يفوت آخره ما تقدم بين يديه. وذلك مما حدثني به الكاتب الأديب أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيلي اليبري وسأذكره بأسمائه، وأترجم لها كما فعلتُ فيما تقدم، وأؤلف درره الفرائد والتوائم.

فمنهم:


(١) سورة الرعد: ٢٤.
(٢) سورة البقرة: ٢٦٠.
(٣) الذخيرة: النفوس.
(٤) الأصل: الأود.
(٥) الأصل: ضاله.
(٦) الأصل: شريعه.
(٧) البيت لأوس بن حجر: ديوانه ص ٥٣.
(٨) الأشابيل على ما حققه د. إحسان عباس: صيغة منتهى الجموع للمفرد (أشبول) وهو نوع من السمك.
(٩) الذخيرة في النهر.
(١٠) الحياة، ساقطة من الأصل، وأثبتها عن الذخيرة.
(١١) بعده في الذخيرة: وشابت قبل الإسنان من بطونها.

<<  <  ج: ص:  >  >>