للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهبته - أيد الله الأمير - مركبًا وعرًا، واستهجنته ظهرا، ثم مددت يد الاستسلام ومسحت جفني من شبا الأقلام، فإذا المركب حيّةً تسعى ليست بأفعى، صماء لا تسمع الرقى التفت على ساقي التفافا، وأجمعت أوساطًا وأطرافا وعضت على عقبي عضا، ورضت ما هنالك رضا، فلا أستطيع شدًّا ولا ركضا. فلو لم يقل حبلا لسميته كبلًا، الله أكبر، هذا الخبر، لكني أتسلّى وأتصبر، وأسميته بغير اسمه، وأضيفه إلى غير قسمه، وأنسبه إلى غير جنسه وهو يعرب عن نفسه، بلمسه ومسه، وهل هو إلا حمار يركب لا يجنب وحديد يقرع لا شجاع أقرع.

ومن عجب أني إذا قمت قانتًا … لربي أنادي في الصلاة وأعلن

يقعقع في رحلي الحديد كأنه … يعارض صوتي في الآذان فيلْحِنُ

فقلتُ اعتبارًا بين قيدي ومقولي … أذلك ناقوس وهذا مؤذن

فشلت يمين القين، لقد أبعدت البازي بحمل الشباقين، بل تربت يداه فهل غير عبد حسد على مولاه وحصن، وصنع فأتقن علم - أيد الله الأمير - إني عبده الناشز إباقًا، فأحكمه وثاقًا، وها أنا إذًا أشير لا أسير، وساعة لا أراه فيها كثير.

ومنه قوله مما كتبه إلى بعض الأعيان يرغبه في أن يخدمه رجلًا كان يلقب بالوطواط وهو الخفاش.

ائتمرت لك يا سيدي الطير طوعًا، وأسفت حولك جنسًا ونوعًا، وأتيتك سعيًا، وبذلت لها سقيًا ورعيًا، لما أردت إلى وطنها الأسفار، وألقيت في عطنها عصا التسيار، رغب في خدمتك من الطير، صنو الجرد وأخو الغير، يصف مع الطوير الصواف بجناح صاف، ليس له قوادم ولا خواف، ويدر رسله مع ذوات الأخلاف. وليس بذي أخفاف ولا أظلاف، يكسر مع السباع غير ناب، ويحلّق مع الطير في اليباب، لا يلقط مع العصافير حبًّا، ولا يرعى مع السوائم أبًا، لا يبيض وإن أفرخ، ولا يصدح وربما نفخ، يمسه الصباح المسفر، وتكحله الدياجي فيبصر، فله في الظلام هجمات في ذوات الأبر الداعيات إلى الشهر فتكات، وكأنما يتطلبهن بذحول وترات. فإن رضيته خادمًا وقبلته قادمًا فك دونك جيوشها، ووقاك تحميشها، فيطيب يومك، وتتطابق في الدعة ليلتك ويومك، ثم لا يسألك (١) أجرًا، ولا يسأمك شكرًا، والله يسخر لك أصناف الأمم، وجنود الضياء والظلم.

ومنهم:


(١) الأصل: يسلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>