للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم يغلق للرحمة باب، ولا كانت من مقدمات النذر للألباب، وقدم والدولة الصلاحية قد استعلت، ويد تصرفها على البلاد قد استولت المجلس الناصري معمور بالأجلاء، مأهول بالقاضي الفاضل وأقرانه من الفضلاء، وريح الأدب قد هبت، ووفود الخواطر إلى تلك المشاعر قد لبت، والحظ الفاضلي قد أخذ معه حظ كل فاضل، وأخذ للكل ولم يترك إلا الفاضل، وكان يغار على كل بيت فكر، ويرى أن لا ينصب لغيره على مخبأة خِدْر. وكان الوهراني لوذعيًا، تحميه لألاؤه، وألمعيًّا تُريه البصيرة آراؤه، فخاف نفثات ذلك الصل، وعبثات ذلك السيف، الذي لا يكلّ، فمال إلى السخف، إذ كان لا يُحسد على تلببه، ولا يُنافس في ترديه وتجلببه، وجعل هذا سببًا لإظهار ما عنده من الإحسان، وتكلّم ولم يخف عثرة القلم، ولا زلة اللسان، فرفرف عليه جانب من الحنو الفاضلي، ورق عليه كما يرق عتيق البابلي وهنيت له نغبةٌ من العيش قدر عليه رزقها، وقرر له رفقها، وولي خطابة المسجد الجامع بداريا، وقيل له الآن (أنت وحي ليلى ودار ريا) وكان إلى هذا ليس له من خاطر الدين ما يزعَهُ، ولا من حاظر العقل ما ينزعه، فرداه سوء التجري فرداه من شاهقه، وألقاه عدم التحري لقى لبوائقه، وأطلق لسانه فعثر في طلقه، وكبّه في طبقه، وتخرص في المنام الذي أتى فيه بالأكاذيب، وحسن باطله بحسن الترتيب، وذكر فيه الملائكة الكرام وانتهك عرض السلف الحرام، وغير ذلك من كباره التي لا تطاق، ومنكراته التي لا يُصبر عليها، وقد ذكرت بعضها هنا، وإنما ذكرته لئلا أخلي الكتاب منه، وهو من المسموع بهم والمسؤول عنهم وأنا أستغفر الله مما ذكرت من دده، وأوردت من أباطيله، وعقدت اللسان على القلم حين تسطير أضاليله، وإن كنت لم أوردها إلا كالصدأ الحالي. وأنا فيه ناقل لا قائل، ومن الله العصمة، وبه السلامة.

ومن نثره الرقعة التي عن جامع دمشق (١):

لما حكمت يد الصناع (٢) في مساجد الضياع، وارتج باب العدل وغُلق، ونبذ كتاب الله وحلق، فزعت المساجد إلى جلق (٣) وهو يومئذ أميرها، وعليه مداد أمورها،


= سنة ٥٧٥ هـ، له (رسائل) مخطوطة ومصنفات طبع منها «رقعة عن مساجد دمشق» و «المنامات» انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٨٥ وشذرات الذهب ٤/ ٢٥ والوافي بالوفيات ٤/ ٣٨٦ وعبر الذهبي ٤/ ٢٢٥ والأعلام ٧/ ١٩.
(١) منامات الوهراني ومقاماته ورسائله، ص ٦١.
(٢) في المنامات الضياع، وهو تصحيف.
(٣) في المنامات: جامع جلق.

<<  <  ج: ص:  >  >>