فلما دخلوا عليه من بابه، واجتمعوا تحت قبته ومحرابه، كتب لهم جامع النيرب (١) قصة إليه، وتوصلوا إلى من عرضها عليه (٢)، فكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة: المماليك مساجد الكورة، يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، بيت الأتقياء (٣) والصالحين، مدفن الأنبياء والمرسلين، معبد الملبين (٤)، صاحب الدولتين بنية أمير المؤمنين أعلى الله مناره، وأيد أنصاره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إليه ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد ألفهم الظلمة والظلام، وأنكرهم المؤذن، والإمام، فلا تسمع فيهم إلا اذان البوم وتسبيح [الغيوم](٥)، قد ركعت أركانها وسجدت سقوفها وحيطانها، تبكي عليها النواقيس، وترثي البيع والكنائس (٦).
[يرثي له الشامت مما به](٧) … يا ويح من يرثي له الشامت
وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا تحت جنابك فافعل بنا ما هو الأهل بك، والسلام. فلما وقف على هذه الحكاية، وفهم مقتضى هذه الشكاية، استوى جالسًا في مقعده، وضرب بيده على يده، وقال: وكيف [وأنّى](٨) أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع رأسه وتغنّى:
وما شرب العشاق إلا بقيتي … ولا وردوا في الحب إلا على وردي
ثم أشرف عليهم من إيوانه بين حفدته (٩) وأعوانه، وأقبل يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد حالهم، فابتدر جامع المزة للمقال، فتقدم بين يدي الملك وقال: الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصيّر أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى للبوم والغُراب، أحمده حمد من كان فقيرًا فاستغنى، وأدرك بمال الوقف ما تمنّى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عالم عامل، متحمل لثقل الأمانة حامل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين الطيبين الأكرمين، أما بعد، أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهى من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت
(١) جامع النيرب: عند قصر شمس الملوك بقرب السمانين، بناه نصر الفراش في النيرب. (٢) في المنامات: سألوا عرضها عليها. (٣) في المنامات: الأنبياء. (٤) في الأصل: الملتين، والتصويب عن المنامات. (٥) الزيادة عن المنامات. (٦) في المنامات: النواويس، وهي أصوب. (٧) الصدر عن المنامات، لم يرد في الأصل (٨) الزيادة عن المنامات. (٩) في المنامات: جنده.