فلو بشر أحدهم بشار، وهناه ابن هاني وقصده أبو العلاء، ونزل به صريع الدلاء، ومدح الدولي بداليته والطائي بطائيته والوأواء بواويته. لما أجازه على ذلك بجوزة ولا أثابه على ذلك بثوب خليع، ورد أمس الذاهب أهون عليه من أخذ ذهبه، وخلع الأكتاف أهون من خلعه وحنوط الغاسل أقرب من حنطته، والشعري العبور أقرب من شعيره، وقرط ماريّة أقرب من قرطه، والتبن عنده مثل التبر، يعلم عليه بالمداد والحبر، ويقاس بالشبر، فليس لابن سبيل على ماله سبيل، فلما سمع الخادم حديثه، وفهم قديمه وحديثه، رمى بأقلامه ودواته، وكم جميع أدواته.
إلى (١) الأمير نجم الدين بن مصال:
كتب هذه الأحرف عبد مولاي المفضّل الأمير نجم الدين، علم الوحدين - أطال الله بقاءه، وجعله من كل سوء وقاءه - ومن مربط صدره من خيول الشوق جواد لو ركبه ضحوة من باب النصر قاتل معه الحلبيين قبل صلاة العصر، فلا والله ما شوق رجل من أبناء الملوك طلعته كالشمس عند الدلوك (٢) له نضرة ونعيم، وهو بالرياسة زعيم، لبس الخز والأجروان، وربي في حارة برجوان (٣) بحيث يناله من القصر بهجة أنواره، ومن الكافوري نسيم نوّاره، فيضيق مربطه بالهماليج، ويزهو مطبخه بالأباليج (٤)، لا يعرف طعم البوس، ولا يدري ما خشونة الملبوس، يرتاض في طرفي النهار على شطوط الأنهار، وينام في الليل مع الحور بين الترائب والنحور، وينصرف عند المقيل إلى العارض الهطيل، في ظل ممدود، وطلح منضود، وفاكهة (٥)، وماء مسكوب، فعبر بهذه الأحوال مدة من الأحوال، إلى أن صرف الدهر إليه عنانه، وصوّب إلى صدره سنانه، فحذفه بيده الشمال، وألقاه إلى العدو إلى بلد الشمال، بحيث لا يعرف قرارًا، ولا يذوق النوم إلا غرارًا، ولا ينزع له ساق عن قدم، ولا يشرب الماء إلا بدم:
يقارع أتراك ابن خاقان ليله … إلى أن يرى الأصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الجلاد مخبّلًا … وكان قديمًا دائمًا يتنعم
فعوضه الله عن لباس المعتق الجديد بلباس الحديد (٦)، وعن عمائم اللاذ
(١) منامات الوهراني ص ٧٥. (٢) الدلوك: وقت العصر. (٣) حارة برجوان، منسوبة إلى برجوان أحد خدام القصر أيام العزيز بالله الفاطمي، ثم صار مدير مملكة الحاكم بالله (النجوم الزاهرة ٤/ ٤٨). (٤) الأباليج: نوع من الأطعمة. (٥) في المنامات: فاكهة دكوب. (٦) في المنامات: ثوب الحديد.