قلبي، وجدت قلبي، فلما أبصر ذا النون قال: يا أبا الفضل، وجدت قلبي في مكان كذا وكذا عند فلانة وسماها، ثم لم يزل إذا تواجد يقول ذلك.
العشرون: عن بهلول (١) -رحمة اللَّه عليه- قال: بينما أنا ذات يوم في شوارع البصرة، وإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز، وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكي، فقلت: هذا صبي يتحسّر على ما في أيدي الصبيان، ولا شيء معه يلعب به، فقلت له: أي بني، ما يبكيك؟ أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؟ فرفع بصره إليَّ وقال: يا قليل العقل؛ ما للعب خلقنا، فقلت: أي بني، فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة، قلت: من أين لك هذا؟ بارك اللَّه فيك، قال: من قول اللَّه ﷿: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ (٢) فقلت: أي بني، أراك حكيمًا فعظني وأوجز، فأنشأ يقول:
أرى الدنيا تجهز بانطلاقي … مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحي … ولا حي على الدنيا بباق
فيا مغرور بالدنيا رويدًا … ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينه، وأشار إليها بكفه ودموعه تنحدر على خديه، وأنشأ يقول:
يا من إليه المبتهل … يا من عليه المتكل
يا من إذا ما آمل … يرجوه لم يخطئ الأمل
قال: فلما تم كلامه خرّ مغشيًا عليه (٣) فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب
(١) بهلول بن عمرو، أبو وهب الصيرفي الكوفي، وسوس في عقله وما أظنه اختلط، أو قد كان يصحو في وقت، فهو معدود في عقلاء المجانين، له كلام حسن وحكايات، وقد حدث عن عمرو بن دينار، وعاصم بن بهدلة، وأيمن بن نابل، وما تعرضوا له بجرح ولا تعديل، ولا كتب عنه الطلبة، كان حيا في دولة الرشيد، ويروي أن البهلول مر به الرشيد فقام وناداه ووعظه، فأمر له بمال فقال: ما كنت لأسود وجه الموعظة. تاريخ الإسلام، وفيات [١٨١ - ١٩٠]. (٢) سورة المؤمنون [١١٥]. أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، وقيل للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر اللَّه ﷿ ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]. تفسير ابن كثير [٣/ ٢٦٧]. (٣) روى مسلم في صحيحه [٢٩ - (٢٧٥٨)] كتاب التوبة، [٥] باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ قال "أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب =