للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن وجهه بكمي، فلما أفاق قلت له: أي بني ما نزل بك، وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب؟ قال: إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا يوقد إلا بالصغار، وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم، قلت: أي بني، أراك حكيما فعظني، فأنشأ يقول:

أنعم جسمي باللباس ولينه … وليس لجسمي من لباس البلاء يد

كأني به قد مُدّ في برزخ البلاء … ومن فوقه ردم ومن تحته لحد

وقد ذهبت من المحاسن وانمحت … ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد

أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى … وليس معي زاد وفي سفري بعد

وقد كنت جاهرت المهيمن (١) عاصيًا … وأحدثت أحداثًا وليس بها رد

وأرخيت خوف الناس سترًا من الحيا … وما من سر فيَّ غدا عنده يبدو

بلى خفته لكن وثقت بحلمه … وأن ليس يعفو غيره فله الحمد

فلو لم يكن شيئًا سوى الموت والبلا … ولو لم يكن منه وعيد ولا وعد

لكان لنا في الموت شغل وفي البلا … عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد

عسى غافر الزلات يغفر زلتي … فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد

أنا عبد سوء خنت مولاي عهده … تذلل عن السوء ليس له عهد

فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي … ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد (٢)

أنا الفرد عند الموت والفرد في البلا … وأُبعث فردا فارحم الفرد يا فرد (٣)


= ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك" قال النووي: وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبتة وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
(١) المهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وقيامه عليها باطلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مطلع على كنه الأمر مستول عليه، حافظ له، فهو مهيمن عليه. سلاح المؤمن لابن الإمام [ص ٢٥٩].
(٢) قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
(٣) فيما رواه مسلم في صحيحه [٥ - (٢٦٧٧)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢] باب في أسماء اللَّه -تعالى- عن أبي هريرة، وفيه: "إن اللَّه وتر يحب الوتر" قال النووي: الوتر الفرد، ومعناه في حق اللَّه -تعالى- الواحد الذي لا شريك له ولا نظير، ومعنى يحب الوتر: تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات، فجعل الصلاة خمسًا والطهارة ثلاثًا والطواف سبعًا والسعي سبعًا =

<<  <  ج: ص:  >  >>