للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التاسعة عشر: عن الحسن الفارسي أنه قال: بلغنا أن رجلا من أصحاب ذي النون أُصيب بعقله، وكان يطوف ويقول: أين قلبي؟ أين قلبي؟ ومن وجد قلبي؟ والصبيان قد ولعوا به يرمونه من كل جانب، فقضى أن دخل يوما في بعض سكك مصر، وقد هرب من الصبيان، فجلس يستريح ساعة، إذ سمع بكاء صبي تضربه والدته، ثم أخرجته من الدار وأغلقت دونه الباب، فجعل الصبي يلتفت يمينًا وشمالًا، لا يدري أين يذهب؟ ولا أين يقصد؟ فلما سكن ما به، عاد ناكصًا على عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته (١) فوضع رأسه على عتبة الباب، فذهب به النوم ثم انتبه، فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت بابك عني؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني من نفسك؟ ومن الذي يدنيني بعد إذ غضبت عليّ (٢)، قال: فرحمته أمه وقامت فنظرت من داخل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه، متمعكًا في التراب، ففتحت الباب ووضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا ولدي يا قرة عيني يا عزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك لو كنت أطعتني ما تلق مني مكروها، قال: فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمعت عليه الخلق، فقالوا: ما الذي أصابك؟ فقال: وجدت


= تيجان مسرته، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته، ثم أخرجهم وقد ودع القلوب ذخائر الغيوب فهي معلمة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة، ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء، وعرفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال: يا أوليائي لو أتاكم عليل من فرقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه، أو فارّ مني فرغبوه، أو خائف مني فأمّنوه، أو مستوصف نحوي فأرشدوه، أو مسيء فعاتبوه، أو استغاث بكم ملهوف فأغيثوه. . . . إلى آخره.
انظر تاريخ الإسلام، وفيات [٢٤١ - ٢٥٠].
(١) روى مسلم في صحيحه [١ - (٢٦٧٥)] كتاب التوبة [١] باب في الحض على التوبة والفرح بهما، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه أنه قال: "قال اللَّه ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حبث يذكرني، واللَّه للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أهرول".
(٢) ق ال النووي: للتوبة ثلاثة أركان: الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٠] طبعة دار الكتب العلمية.

<<  <  ج: ص:  >  >>