بثمنها إن لم تحتاجا إلى لبسها، فأخذناها ودفعنا السراويل إلى مناد يبيعه، فلم نشعر إلا والمنادي قد جاء ومعه جماعة، وأخذونا إلى دار كبيرة، وإذا فيها جماعة، وإذا بشيخ يبكي وصراخ النساء في الدار، فلما وصلنا إلى الشيخ سألنا عن السراويل والتكة، فحدزناه الحديث، فخرَّ ساجدًا للَّه رب تعالى، ثم رفع وقال: الحمد للَّه الذي أخرج من صلبي مثله، ثم صاح لأمه وقال لنا: حدثاها الحديث، فحدثناها، فقال لها الشيخ: احمدي اللَّه الذي رزقك بمثله، فلما كان بعد سنين بينما أنا واقف بعرفات إذ أنا بشاب حسن الوجه، عليه مطرف خز (١) فسلم عليّ وقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا صاحب الأمانة الصوري، ثم ودعني وقال: لولا أن أصحابي ينتظرونني لأقمت معك، فمضى وتركني، فإذا أنا بشيخ خلفي من أهل المغرب كنت أعرفه يحج كل سنة، فقال لي: من أين تعرف هذا الشاب؟ فقلت: هذا يقال له أنه من الأربعين، فقال: هو اليوم من العشرة وبه يغاث الناس والعباد.
الثامنة عشر: عن الجنيد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: كنت في المسجد مرة، فإذا رجل قد دخل إلينا وصلى ركعتين، ثم امتد ناحية من ناحية المسجد وأشار إليّ، فلما جئته قال لي: يا أبا القاسم، إنه قد حان لقاء اللَّه -تعالى- ولقاء الأحباب، فإذا فرغت من أمري فسيدخل عليك شاب مُغنِّي، فادفع إليه مرقعتي وعصاي وركوتي، فقلت: إلى مغني؟!! (٣) وكيف يكون ذلك؟!! قال: إنه قد بلغ رتبة القيام بخدمة اللَّه في مقامي، قال الجنيد: فلما قضى الرجل نحبه، وفرغنا من مواراته، إذا نحن بشاب مصري قد دخل علينا وسلّم وقال: أين الوديعة يا أبا القاسم؟ فقلت: وكيف ذلك؟ أخبرنا بحالك، قال: كنت في مشربة (٤) بني فلان، فهتف بي هاتف: أن قم إلى الجنيد وتسلم ما عنده، وهو كيت وكيت، فإنك قد جعلت مكان فلان الفلاني من الأبدال، قال الجنيد: فدفعت إليه ذلك، فنزع ثيابه واغتسل، ولبس المرقعة وخرج على وجهه نحو الشام (٥).
(١) الخزُّ من الثياب: ما ينسج من صوف وحرير خالص، جمعها: خزوز. (٢) قال الجنيد: كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن صغ سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال: يا غلام ما الشكر؟ فقال: أن لا بعصى اللَّه بنعمه، فقال: أخشى أن يكون حظك من اللَّه لسانك، قال الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها لي. (٣) مُغنِّي: محترف الغناء. (٤) المشرب: الموضع الذي يشرب منه، ومشرب الرجل: ميله وهراه، يقال: هم قوم اختلفت مشاربهم. (٥) قال المتوكل لذي النون: يا أبا الفيض صف لي أولياء اللَّه، قال: يا أمير المؤمنين هم قوم ألبسهم اللَّه النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم =