للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولمّا قبض على الملك ريدا فرنس (a)، ورحل الملك المعظّم من المنصورة، ونزل بالدّهليز السّلطاني على فارسكور، وعمل له برجا من خشب، وتراخى في قصد دمياط. وكتب بخطّه إلى الأمير جمال الدين بن يغمور نائبه بدمشق.

ولده (b) توران شاه: «الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن، وما النّصر إلاّ من عند اللّه ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه [ينصر من يشاء وهو العزيز الرّحيم] (c)، وأمّا بنعمة ربّك فحدّث، وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها. نبشّر المجلس السّامي الجمالي - بل نبشّر المسلمين كافّة - بما منّ اللّه به على المسلمين من الظّفر بعدوّ الدين، فإنّه كان قد استفحل (d) أمره واستحكم شرّه، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد، فنودوا ﴿لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللّهِ﴾ [الآية ٨٧ سورة يوسف].

ولمّا كان يوم الاثنين مستهلّ السنة المباركة - وهي سنة ثمان وأربعين وستّ مائة تمّم اللّه على الإسلام بركتها - فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرّقنا السّلاح، وجمعنا العربان والمطّوّعة، وخلقا لا يعلمهم إلاّ اللّه، وجاءوا من كلّ فجّ عميق، ومكان سحيق. فلمّا رأى العدوّ ذلك، أرسل يطلب الصّلح على ما وقع الاتّفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأبينا.

ولمّا كانت ليلة الأربعاء، تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم وقصدوا دمياط هاربين، فسرنا في آثارهم طالبين. وما زال السّيف يعمل في أدبارهم عامّة اللّيل، وقد حلّ بهم الخزي (e) والويل.

فلمّا أصبحنا يوم الأربعاء، قتلنا منهم ثلاثين ألفا غير من ألقى نفسه في اللّجج، وأمّا الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج. والتجأ الفرنسيس إلى المنية (١) وطلب الأمان، فأمّناه وأخذناه وأكرمناه، وسلّمناه دمياط


(a) بولاق: رواد فرنس.
(b) بولاق: وولده.
(c) إضافة من النويري.
(d) بولاق: استكمل.
(e) الأصل: الخزن.
(١) أي منية أبي عبد اللّه، وهي ما زالت موجودة باسم منية الخولي عبد اللّه وتقع على الشاطئ الشرقي لفرع دمياط وتتبع مركز فارسكور بمحافظة الدقهلية (أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٦٥: ٦ هـ? ١).