للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل كثيرة الحجر، لا تسلكها المراكب إلاّ بالحيلة ودلالة من يخبر بذلك من الصّيّادين الذين يصيدون هناك، لأنّ هذه الجنادل متقطّعة وشعاب معترضة في النّيل، ولا نصبابه فيها خرير عظيم ودويّ يسمع من بعد.

وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النّوبة، ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النّوبة عشر مراحل. وهي النّاحية التي يتصرّف فيها المسلمون، ولهم فيما قرب أملاك، ويتّجرون في أعلاها. وفيها جماعة من المسلمين قاطنون، لا يفصح أحدهم بالعربية، وشجرها كثير.

وهي ناحية ضيّقة شظفة كثيرة الجبال، وما تخرج عن النّيل، وقراها متسطّرة على شاطئه، وشجرها النّخل والمقل، وأعلاها أوسع من أدناها، وفي أعلاها الكروم. والنّيل لا يروي مزارعها لارتفاع أرضها، وزرعها الفدّان والفدّانان والثلاثة على أعناق البقر بالدّواليب.

والقمح عندهم قليل والشّعير أكثر والسّلت، ويعتقبون الأرض لضيقها فيزرعونها في الصّيف، بعد تطريتها بالزّبل والتّراب، الدّخن والذّرة والجاورس والسّمسم واللّوبيا.

وفي هذه الناحية بخراش مدينة المريسي (a)، وقلعة إبريم، وقلعة أخرى دونها، ولها (b) مينا تعرف بأدراء ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النّون، وبها بربا عجيب.

ولهذه النّاحية وال من قبل عظيم النّوبة يعرف بصاحب الجبل من أجلّ ولاتهم لقربه من أرض الإسلام. ومن يخرج إلى بلد النّوبة من المسلمين فمعاملته معه، في تجارة أو هديّة إليه أو إلى مولاه، يقبل الجميع ويكافئ عليه بالرّقيق، ولا يطلق لأحد الصّعود إلى مولاه لا لمسلم ولا لغيره.

وأوّل الجنادل من بلد النّوبة قرية تعرف بتقوى هي ساحل، وإليها تنتهي مراكب النّوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم، ولا تتجاوزها المراكب، ولا يطلق لأحد من المسلمين ولا من غيرهم الصّعود منها إلاّ بإذن من صاحب جبلهم، ومنها إلى (c) المقس الأعلى ستّ مراحل. وهي جنادل كلّها، وشرّ ناحية رأيتها لهم لصعوبتها وضيقها ومشقّة مسالكها.

أمّا بحرها فجنادل وجبال معترضة فيه، حتى أنّ النّيل ينصبّ من شعاب ويضيق في مواضع حتى يكون سعة ما بين/ الجانبين خمسين ذراعا.

وبرّها مجاوب ضيّقة وجبال شاهقة وطرقات ضيّقة، حتى لا يمكن الراكب أن يصعد منها، والراجل الضّعيف يعجز عن سلوكها، ورمال في غربها وشرقها. وهذه الجبال حصنهم، وإليها


(a) بولاق: المريس.
(b) بولاق: بها.
(c) ساقطة من بولاق.