وكان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم والفقه والطّبّ وكتب الأدب وغيرها من العلوم، فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت. وجعل في داره قرّاء وأئمّة يصلّون في مسجد داره، وأقام بداره عدّة مطابخ لنفسه ولجلسائه ولغلمانه وحواشيه.
وكان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو وخواصّه من أهل العلم ووجوه كتّابه وخواصّ غلمانه ومن يستدعيه عليها، وينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب والكتّاب والحواشي.
وكان إذا جلس لقراءة كتابه (a) في الفقه الذي سمعه من المعزّ والعزيز، لا يمنع أحد من مجلسه، فيجتمع عنده الخاصّ والعامّ. ورتّب عند العزيز باللّه جماعة لا يخاطبون إلاّ بالقائد، وأنشأ عدّة مساجد ومساكن بمصر والقاهرة.
وكان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء ووجوه النّاس وأهل السّتر والتّعفّف، ولجماعة كثيرة من الفقراء. وكان إذا فرغ الفقهاء والوجوه من الأكل معه يطاف عليهم بالطّيب.
ومرض مرّة من علّة أصابت يده، فقال فيه عبد اللّه بن محمّد بن أبي الجوع (b) (١):
[البسيط]
/ يد الوزير هي الدّنيا فإن ألمت … رأيت في كلّ شيء ذلك الألما
تأمّل الملك وانظر فرط علّته … من أجله، واسأل القرطاس والقلما
وشاهد البيض في الأغماد حائمة … إلى العدا، وكثيرا ما روين دما
وأنفس النّاس بالشّكوى قد اتّصلت … كأنّما أشعرت من أجله سقما
هل ينهض المجد إلاّ أن يؤيّده … ساق يقدّم في إنهاضه قدما؟
لولا العزيز وآراء الوزير معا … تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما
فقل لهذا وهذا أنتما شرف … لا أوهن اللّه ركنيه ولا انهدما
كلاكما لم يزل في الصّالحات يدا … مبسوطة ولسانا ناطقا وفما
ولا أصابكما أحداث دهركما … ولا طوي لكما ما عشتما علما
ولا انمحت عنك يا مولاي عافية … فقد محوت بما أوليتني العدما
(a) بولاق: يقرأ كتابه.
(b) بولاق: ابن أبي الجرع.
(١) أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي الجوع الأديب الورّاق. كان مليح الخطّ جيّد الضّبط وخطّه مرغوب فيه، أدرك المتنبّي وأيام كافور ووصل إليه من العزيز باللّه وابنه الحاكم بأمر اللّه جملة كبيرة على الوراقة، وكان له تحقّق باللغة والنحو والبلاغة وقول الشّعر، وتوفي بمصر سنة ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ م. (ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣٧٩: ٤؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٥٢٧: ١٧).