توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم، ولا تطرب إلى شعر أبي تمام، ولا تعرف الحارث بن همام، ولا سيما البغال التي تشتغل في جميع الأشغال، مسكة من القصيل أحب إليها من كتاب التحصيل، وقفة من الدريس أشهى إليها من فقه محمد بن إدريس، لو أكل البغل كتاب المقامات مات، ولو قيل له أنت هالك إن لم تأكل موطأ مالك، ما قبل ذلك، وكذلك الجمل، لا يتغدى بشرح أبيات الجمل، وحزنة من الكلأ أحب إليه من شعر أبي العلاء، وليس عنده طيب شعر أبي الطيب، وأما الخيل فلا تطرب إلا إلى سماع الكيل، ولو أكلت كتاب الذيل ماتت بالنهار قبل الليل، ولا تستغني الأكاديش عن الحشيش بكل ما في الحماسة من شعر أبي الحريش، وإذا أطعمت الحمار شعر أبي عمار، حلّ به الدمار، وأصبح منفوخًا كالطبل على باب الإصطبل، ومع هذا كله، فقد راح صاحبها إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف، وطلب من تبنه خمس قفاف، فقام إليه بالخفاف، فخاطبه بالتقعير، وطلب منه ديبة شعير، فحمل عياله على ألف بعير، فانصرف الشيخ مكسور القلب مغتاظًا من السب والثلب، فالتفت إلي وقد حنق علي. وقال: إن شئت أن تكدي فلا ذقت شعيرًا ما دمت عندي. فبقيت المملوكة حائرة، لا واقفة ولا سائرة، فقال لي العلاف: لا تجزعي من خباله، ولا تلتفتي إلى سباله. ولا تنظري إلى نفقته. ولا يكون عندك أحسن من عنفقته. هذا الأمير عز الدين سيف المجاهدين، أندى من الغمام، وأمضى من الحسام، وأبهى من البدر ليلة التمام، يرثي للمحروب، ويفرج عن المكروب، وهو من بني أيوب، لا يرد قائلًا، ولا يخيب سائلًا، فلما سمعت المملوكة هذا الكلام، جذبت الزمام، ورفضت الغلام، وقطعت اللجام، وشقت الزحام، حتى طرحت خدها على الأقدام. ورأيه العالي، والسلام.
عبد مولاي القاضي الأجل الفاضل - أدام الله جده وأهلك ضده، من السرور بقربه والدخول في سربه، كما سرّ مهجور بوصل الحبائب، ومن الارتياح إلى جلاله، والورود على زلاله، كما ارتاح ظمآن العذب المشارب، ومن الاهتداء لعانيه، والاعتكاف على حفظه، كما نظم الدر المفصل ناثر. ولولا أن عبدها أخفش البصيرة والبصر، تغلبه لكنه الحصر، ويضعف عن مقابلة الشمس والقمر للازمه السعد لبابه والتوفيق لأحبابه، لكنّه الخفاش يعشو عن الأنوار، والجعل يتأذى برائحة النوار، ولا يغترّر المولى بزخارفه، وتنميق مخارفه، فالعود أطيب من ثراه والكلام أحسن ممن انتزاه، ولأن تسمع بالعيدي خير من أن تراه، ولولا نسب خادمه أقبح من المشيب، وخروجه إلى المدح أوحش من الخروج، وقريضه أوجع من القريض، ونقده أشدّ من الفقر، وقرائنه كالقرين السوء، لأرسلها كالأفراس وأسكت بها صياح الأجراس، والسلام.