للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خلائق هناك، وأزال البدعة التي كانت في التأذين.

قال الصاحب أبو القاسم ابن العديم: أخبرني والدي قال: لما فتح نور الدين محمود المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية بحلب لأصحاب أبي حنيفة، استدعى البلخي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، ودخلها وألقى بها الدروس، وكان الأذان بحلب في المنارة على قاعدة الشيعة يزاد فيه «حي على خير العمل محمد وعلي خير البشر»، فلما سمع البلخي ذلك أمر الفقهاء، فصعدوا المنارة وقت الآذان، وقال لهم: مُرُوا المؤذنين ليؤذنوا الأذان المشروع، ومن امتنع منهم كبوه على رأسه، فصعد الفقهاء وفعلوا ما أمرهم به، فأذن المؤذنون الأذان المشروع، واستمر الأمر على ذلك إلى أن مرض نور الدين بقلعة حلب، ودخل نصير الدين أخوه إلى حلب، فأعاد الشيعة الآذان أيامًا ثم ترك.

قال ابن العديم: كان سبب خروج البلخي بعد ذلك من حلب أن بعض الأمراء المختصين بمجد الدين أبي بكر بن الداية كان ساكنًا إلى جانب المدرسة، فبلغ البلخي عنه أنه يشرب الخمر، فأمر الفقهاء أن ينكروا عليه فمشوا إليه فقام إليهم وضربهم، فجمع البلخي الفقهاء، وأمرهم بالدخول إليه، فدخلوا إليه وأراقوا الخمر، وضربوه فشق ذلك على ابن الداية، وأخرجه من حلب.

قال ابن العديم: وأخبرني ابن قاضي العسكر قال: حدثت عن حاجب شمس الملوك صاحب دمشق: أنه كان لشمس الملوك في مقابلة المسجد الذي عمرته والدته الخاتون للبلخي مدرسةً، قصر له يشرب فيه، وعنده المغنون له بالملاهي، وكان الشيخ إذا علم بهم أمر الفقهاء بأسرهم، فيصعدون إلى السطح، ويكررون ليشوشوا عليه ما هو فيه، فكان يتكدر عليه لذته ويتشوش عليه، قال الحاجب: فأخذني في بعض الليالي وليس معنا ثالث، وقال لي: لابد من قتل هذا الشيخ الكلب العجمي، واستصحب معه سيفًا، وجاء إلى المسجد، وإذا بالشيخ قاعد فيه، فأعمى الله بصره عنه، وأنا أبصره، فقال لي: ما أراه هنا وأين هو هذا الفاعل الصانع؟ فلما رأيته كذلك لم أعلمه أني أراه، فجعل يدور عليه ولا يراه، ثم جاء إلى حائط هناك، فقال: اقعد إلى الأرض حتى أصعد على كتفيك. قال: ففعلت ذلك وصعد على كتفي، فلما وضع يده على رأس الحائط، انقلب إلى خلف، ووقع مغمى عليه، قال: فابتدرت إليه، ووضعت رأسه على ركبتي وجعلت أسكنه وأسأله، فلما أفاق قال لي: لا تسأل ما تم علي، وإن حدثت به أحدًا ضربت عنقك، اعلم أني لما هممت بالطلوع فما هو إلا أن وضعت يدي على رأس الحائط، وصعدت، وإذا بأسد عظيم

<<  <  ج: ص:  >  >>