ولاح بحكمتي نُورُ الهُدى في … ليال بالضلالة مُدلهمة
يُريد الجاحدون ليطفِئُوهُ … ويأبى الله إلا أنْ يُتِمَّه
قال ابن العديم: سمعت ضياء الدين محمد بن خميس الحنفي يقول: حضرت الشيخ الكاساني عند موته، فشرع في قراءة سورة إبراهيم حتى انتهى إلى قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١) فخرجت روحه عند فراغه من قوله وفي الآخرة.
وكانت وفاته يوم الأحد بعد الظهر عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل بظاهر حلب، وخلف ولدًا ذكرًا فتولى الملك الظاهر غازي تربيته، والقيام بأمره، وكان صبيًا واجتهد في اشتغاله بالفقه، فلم ينجب.
ومنهم:
[٤٥] محمد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله الحنفي، الحلبي، أبو عبد الله (٢)
ويعرف بابن الأبيض، أبو عبد الله، شمس الدين.
قاضي العسكر، وقائل القول لا ينكر، وقائد الجحفل إلا أنه لحياءه لا يظهر، ولظهوره لا يذكر، تقلد الملك منه رأيًا ماضيًا، وجرد عزمًا قاضيًا، وصرح لحلب منه زبدتها، ووضح به في وجه شهبائها المغبر زينتها، وعلا مقامها بمقامه في موطنها، وطارت بروق صرائرها المصلتة السيوف ذعرًا من جوشنها، وترسل بكلم ألطف من الوسائل، وأشجى من تغريد حمام الرسائل.
مولده بحلب في صفر سنة ستين وخمسمائة، وتفقه على والده يوسف بن الخضر، وأبي بكر الكاساني، وتفقه عليه أبو القاسم بن العديم مؤرخ حلب. وقال: نشأ بحلب، فلما انتقل أبوه إلى دمشق وولي القضاء بها، سار إلى والده وتقدم ونفق على الملك العادل، فولاه قضاء العسكر وسيره إلى الملوك في الرسائل، وقلده عدة مدارس، ولم يزل كذلك حتى حصل بينه وبين ابن شُكر وحشة خاف منها على نفسه،