فقيهًا، فاضلًا، يعرف الفقه، بصيرًا بالأحكام والقضايا، محمود السيرة في حكمه، حكم بدمشق نيابة عن ابن الحريري. وخاله صدر الدين علي الحنفي، فحكم بدمشق نيابةً مدة عشرين سنة، ودرس بالظاهرية، والقليجية، والمعظمية، وخطب بجامع الافرم، وهو أول خطيب خطب به بحضور بانيه نائب السلطنة والقضاة والأعيان. ولبس الخلعة من القصر الظاهري، فشكرت فصاحته، وتوفرت الأدعية لمنشيء الجامع.
وكان فيه ديانة وخير حسن الشكل، تام المروءة، دمث الأخلاق، طيب المعاشرة، كثير التودد والإحسان إلى أصحابه ومعارفه، عنده قوة نفس في الأحكام وإمضائها، ويقول على طريقة الفقهاء، ونظم عدة مسائل في الفقه، ذكر فيها ضوابط وقيودًا.
وكان إذا صعد المنبر ليخطب تغير لونه، وطَارَ لبه واحمرت وجنتاه، وخنقته العبرة. وعزّر مرة رجلًا معتبرًا من ذوي السيوف لسفه بدا منه في حق ابن قاضي القضاة صدر الدين، وأبوه إذ ذاك خاله ومستنيبه، فطلبه كافل الممالك «تنكز» وأنكر عليه ما فعل بغير إذنه، وقال له: كيف تعزر أنت مثل هذا لأجل قرابتك وابن الذي استنابك؟ فقال له: يا أمير الناس عندي سواء في الحق إن كان قرابتي أو غير قرابتي، والذي استنابني أو غيره، وإذا وجب على واحد منهم أو له فعلته فقال كالمستهزئ به فغدًا بعده إذا وجب عندك علينا شيء افعله! فقال: نعم والله لو وجب عليك شيء بحكم الشرع فعلته، وها قد عزلت نفسي وامتنع من الحكم حتى استرضي، وأعيد على كره منه له، فلما آن وقت الحج عزل نفسه، وحج ومات ﵀ عقيب قدومه متبرئًا من الأحكام، وذلك بكرة يوم الخميس آخر أيام من المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بمسجد ابن يغمور ظاهر دمشق، ودفن عند أقاربه بالقرب من المدرسة المعظمية بسفح قاسيون.
ومنهم:
[٥٥] علي بن أبي القاسم بن محمد بن عثمان أبو الحسن، قاضي القضاة، صدر الدين، البصروي، الحنفي (١)
أبو حنيفة الثاني، والمنمق لمذهبه المذهب أو الباني، بحر يقذف أمواجًا،
(١) ترجمته في: الجواهر المضية ٢/ ٥٨٦، الذيل على العبر ١٥٣، الدرر الكامنة ٣/ ١٧٠، الدارس ١ ٦٢١، قضاة دمشق ١٩٥، الطبقات السنية رقم ١٤٦٢.