للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٢٠] محمد بن زُرزُور، أبو عبد الله الفقيه الفارسي (١)

أي رجل غلب عليه بلهه، وجلب لها السوء ولهه على فضل خزنه في حافظته، وحصله بمحافظته، مع إطلاع على الوقائع واضطلاع بحسن حفظ الودائع، إلى إقدام يساور به الأسد، ويصابر الخصم الألد لو عارض السيل المنحدر لرده، أو السيف المصلت لفل حده، وكان لو أتته أطراف الرماح لتلقاها، أو نصال السهام لما توقاها حتى رمي بالجنون، وقلب له ظهر المجون، وفعل عندنا بعاقل ما يفعل بمجنون.

كان بارعًا في الحفظ والعلم، يضرب بحفظه المثل، قال يومًا: إني أحفظ القرآن من أوله إلى آخره، وأحفظ «تفسير ابن سلام» كما أحفظ القرآن، وأحفظ فقه أبي حنيفة كما أحفظ التفسير، وأحفظ الموطأ وفقه مالك كما أحفظ فقه أبي حنيفة، وأحفظ بعد ذلك كثيرًا من دواوين العرب وأشعارها.

وكان ورعًا زاهدًا، وكان يحفظ مناظرات الفقهاء، فيكرهون حضوره لكثرة محفوظه، فحضر يومًا جنازة وحضرها أبو المنهال، وكان عظيم الجاه، رفيع الذكر، فسأله عن مسألة فأخطأ ثم ثانية، ثم ثالثة، فقام ابن زرزور قائمًا وصف قدميه، ثم كبر وصلى عليه كما يصلى على الموتى وقال: أنت أولى بأن يصلى عليك من هذا الميت. وقيل: إنه فعل مثل ذلك بالقاضي ابن عمران، فلما تغير عقله وجد إليه سبيلًا، فحجر عليه، ثم بعث إليه يومًا يخيره في تزويج امراة، أو شراء جارية، وفي أشياء من أسبابه، فقال للرسول يكون جوابي مشافهة، فأتاه فقال له: أتاني يخبرني في كذا وكذا، قال: نعم، فما تشاء؟ قال:

أفأتكلم ولي الأمان؟ قال: نعم.

قال: إن كنت خيرتني وأنا عندك سفيه فقد أخطأت إذ خيرتني، وإن كنت عندك رشيدًا، فقد أخطأت في حجرك علي.

ثم قال: الله أكبر أربع مرات كما يصلى على الجنازة، وانصرف، فأطرق القاضي سليمان، ولم يتكلم.

وقيل لابن زرزور وهو في النزع: يا أبا عبد الله كيف حالك؟ فبكى وقال:


(١) ترجمته في: الجواهر المضية ٣/ ١٥٥، رياض النفوس للمالكي ٤١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>