للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وسحاب يرسل أفواجًا، وأسد يأكل من أهل الجدل ماجا. ذو يراع حطم القنا، وحط السيوف إلى أدنى، وكانت الفتاوى لا تنهض إلا إذا راشها مداد قلمه، ولا تدحض إلا إذا نصلها ماضي تقدمه، والمدارس لا تطير إن لم تجنحه محاريبها، والفوائد لا تسير ما لم تصبحه جلابيبها، والعلوم تتجلى إذا قال أو كتب، وتتحلى من حصباء ياقوت على أرض من الذهب.

مولده في أيام الخوارزمية سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وتفقه على والده ثم على القاضي شمس الدين بن عطاء. وتفقه عليه جماعة، وسمع الحديث من ابن عبد الدايم، وإسماعيل بن الدرجي، وابن عطاء القاضي، وابن النحاس وغيرهم، وخرج له جزء حديث عن شيوخه، وحدث به، وكان من أعيان الفقهاء الحنفية، ودرس قديمًا سنة أربع وستين وستمائة، وأذن له في الإفتاء في ذلك الوقت، وكانت له بعمي شرف الدين سابق صحبة، وحج معه عديله في المحمل، ولم يزل يترقى في المدارس الكبار إلى أن ولي الحكم بدمشق على مذهبه، وحظي بصحبة رجل قدمته وأمطته الأيام وأخدمته، وبقي قاضي القضاة أكثر من عشرين سنة، وتفرد في آخر عمره بالتقدم على جميع أهل مذهبه، لكثرة تحصيله، وجودة ذهنه، وغزارة استحضاره، وأذعن له الناس، وانتهت إليه رياسة العلم.

وكان نزهًا، نظيف العرض، عفيفًا، مستغنيًا بماله ومناصبه، وكان له ثروة وأملاك، وقاربت تركته ألف ألف درهم، وأوصى منها بثلثها صدقة، كان حفظةً للكثير من الحكايات والأشعار حسن المناظرة، كثير الفوائد، ولي قضاء العساكر الشامية سنة تسع وسبعمائة على قاعدة من تقدمه من قضاة العساكر، توفي ببستانه بسطري ظاهر دمشق يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المعظمية.

ومنهم:

[٥٦] محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري، الدمشقي، أبو عبد الله، قاضي القضاة بمصر والشام، شمس الدين ابن الحريري (١)

حافظ كتاب الهداية، وحامل هذه الراية، قوي لا يلين، قويم لا يبل له طعين،


(١) ترجمته في الجواهر المضية ٣/ ٢٥٠، الوافي بالوفيات/ ٤/ ٩٠، الدرر الكامنة ٤/ ١٥٨، أعيان =

<<  <  ج: ص:  >  >>