الطبق فرد، فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه، فما تساويا في عيني، ولا في قلبي، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟ ولا أمن أن تقع علي حيلة في ديني، فأهلك وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله واعفني، فأعفاه.
وقال الأصمعي: كنت يومًا عند الرشيد، فرفع إليه في قاض كان استقضاه يقال له عافية بن يزيد الأودي، فأمر بإحضاره، فأحضر، وكان في المجلس خلق كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه، ويوقفه على ما رفع إليه، فعطس أمير المؤمنين، فشمته بالحضرة من قرب منه سواه، فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمتك، هذا النبي ﷺ عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال: يا رسول الله ما بالك شمت هذا ولم تشمتني؟ قال:، لأن هذا حمد الله، فشمتناه وأنت لم تحمد الله، فلم أشمتك، فقال له الرشيد ارجع إلى عملك أنت لم تسامح في عطسة، تسامح في غيرها، وصرفه منصرفًا جميلًا، وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
ومنهم:
[٩] إسماعيل بن اليسع الكندي، أبو عبد الرحمن، الفقيه، الحنفي (١)
قاضي مصر أول من أقام بها مذهب أبي حنيفة في ذلك الزمان، وبث في جنبات روضها شقائق النعمان، وهمى فيها، فاعترف النيل للغيث، وزار في نواحيها، فسكت في عرينه الليث. ولي قضاء مصر، وحكم بمذهب أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفونه.
قال ابن يونس: ولي قضاء مصر من المهدي سنة أربع وستين ومائة، ثم روى بسنده. قال: قدم علينا إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضيًا بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، وكان يذهب إلى قول أبي حنيفة. ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، قال: وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وشق.
وكتب الليث بن سعد إلى المهدي في أمره، وكتب إليه: إنا لم ننكر عليه شيئًا في مال ولا دين، غير أنه أحدث أحكامًا لا نعرفها ببلدنا فعزله.
(١) ترجمته في: أخبار القضاة لوكيع ٣/ ٢٣٦، الجرح والتعديل ٢/ ٢٠٤ رقم ٦٩٢، الولاة والقضاة للكندي ٣٧١ - ٣٧٣ تاريخ الإسلام (السنوات سنة ١٧١ - ١٨٠ هـ) ص ٤٢ رقم ١٩.