للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليهم مؤمر، ليس إلا في فقه ينقله في موضعه، وعلم يستخص لأنفعه، ثم عمل عليه عند السلطان من عمل على الناس عنده حتى أخلى منه الأوطان، وأتى دمشق، وصار بها صدر ناديها، وبدر واديها، وغيث صنائعها، وجميل أياديها.

تفقه على الشيخ تقي الدين أبي الربيع سليمان التركي الزاهد، وسمع الحديث من ابن النجار، وطائفة، وخرج له مشيخة في الحديث، وحدث بها بالقاهرة، ودرس بدمشق بالمدرسة الشبلية، وبالمدرسة الفرخشاهية ظاهر دمشق، وأعاد في كبار المدارس، وتصدر للإفادة بالجامع الأموي ورجع إليه في مهمات الفتاوى والوقائع، ولم يكن في وقته أفقه منه في مذهبه، ولا أتم بحثًا، ولا أدق نظرًا، ولا أعذب لسانًا، عارف بغوامض المذهب ومشكلاته، حديد النظر، شديد الفكر في الفقه، وله تصرف في جملة من علوم الشريعة، ويجيب الفضلاء من أرباب المذاهب وطلبة الحديث.

وبرز المرسوم السلطاني الملكي الناصري في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بطلبه من دمشق إلى الديار المصرية قاضيًا بعد ابن الحريري فقابله بالامتثال، وتوجه لها على خيل البريد وفوض إليه قضاء القضاة، وتدريس المدارس الكبار، وخلع عليه وأكرم مورده ورسم له ببغلة سلطانية وركب الأعيان والحجاب، وبعض أرباب الدولة في خدمته وقرى تقليده.

وحكم، وألقى الدروس البديعة، وأقام هناك نحوًا من عشر سنين، ثم صرف عن القضاء، وعاد إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأقام بها مدة ليس له راتب ولا معلوم، وهو قانع صابر، ثم ولي تدريس المدرسة العذراوية بدمشق، ولم تزل الفضلاء يترددون إليه، ويستفيدون منه، ويرجعون إلى رأيه. وله المصنفات المفيدة، وله مسائل مفرده عديدة.

توفي ليلة الأربعاء سابع عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبعمائة.

ومنهم:

[٥٨] أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرازي الحنفي، أبو المفاخر، قاضي القضاة، جلال الدين (١)

نزيل دمشق. طالما تكلم والناس سكوت، وامتد به البقاء وحياة العلم أنه لا


(١) ترجمته في: الجواهر المضية ١/ ١٥٦، الطبقات السنية رقم ١٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>