ويحك إني أعرف في وجه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن سماحة هذا الغلام بالإقرار هي عن بلية وأمر يبعد من الحق، وليس في تلازمها بطلان حق، ولعلّه ينكشف من أمرهما ما أكون على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة مناظرتهما واختلافهما، وسكون طباعهما مع عظم المال؟ وما جرت العادة بالإقرار عجلًا بمثل هذا المال. قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل على القاضي رجل موسر، فقال: قد بليت بابن لي يتلف كل ما يظفر به من مالي، وإن منعته المال يحتال بحيلة اضطر إلى التزام غرم له، وقد بلغني أنه تقدم إلى القاضي وأقر بألف دينار، فلما سمعت بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر. فيداويه بما يشكر، فلما سمع القاضي كلامه تبسم، وقال لي: كيف رأيت؟ فقلت له: لهذا ولمثله فضل الله القاضي، ثم أمر القاضي بإحضارهما، فأرهب الشيخ ووعظ الغلام، فأقر الشيخ بأن الأمر كذلك، وأنه لا شيء له على الصبي، فأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا.
ومات أبو خازم في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
ومنهم:
[٢٢] أحمد بن الحسين، أبو سعيد البرذعي (١)
أحد الفقهاء الكبار، وأصحاب التحقيق والإكثار، وكان أي سيف يُسل، وعلم عليه لا يستدل، قطع بجدله كل حجة. وقرع هام الطوائف المحتجة، سرت منه دار السلام بمسلم إلا أنه ورع، ومسلم إليه في البحث لا يدفع، ثم أقام بمكة المعظمة إذ شارف أجله، وسكن بها على ظاهر قبره ثم نزله، قتل شهيدًا في فتنة القرامطة، وطار رأسه في تلك الجثث الساقطة، فلزم ذلك المثوى، إلى أن قدم على جنة المأوى.
تفقه على أبي علي الدقاق، وموسى بن نصر، وتفقه عليه أبو الحسن الكرخي،
(١) ترجمته في الفهرست لابن النديم ٢٩٣، تاريخ بغداد ٤/ ٩٩ رقم ١٧٥١، طبقات الفقهاء للشيرازي ١٤١، مرآة الجنان ٢/ ٢٧٤، تاريخ الخميس ٢/ ٩٩١ وفيه: أحمد بن علي البرذعي طبقات المعتزلة لابن المرتضى ٦٠، العبر ٢/ ١٦٨، الجواهر المضيئة ١/ ١٦٣ - ١٦٦ رقم ١٠٣، العقد الثمين ٣/ ٣٣ - ٣٤، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٢٦، الطبقات السنية رقم ١٨٥، الفوائد البهية ١٩ - ٢٠، تاريخ الإسلام (السنوات ٣٠١ - ٣٢٠ هـ) ٥٢٨ رقم ٢٨١.