وولي قضاء الشام وقضاء الكوفة، واستقضاه المعتضد على قضاء الشرقية. وكان رجلًا، دينًا ورعًا، عالمًا بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، عالمًا بالفرائض والحساب والذرع والقسمة، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وحساب الدور، وغامض الوصايا، والمناسخات، قدوة في العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات والإقرارات، وأما عقله فلا يعلم أن أحدًا رآه، وقال إنّه رأى أعقل منه.
قال وكيع القاضي: كنت أتقلد لأبي خازم القاضي أوقافًا في أيام المعتضد، وكان منها شيء في يد المعتضد، فلما بلغت السنة آخرها، حصلت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة، وأستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال: هل أخذت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال:
والله لا قسمتُ الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، ثم قال: امض إليه وطالبه، فدخلت على الخليفة، وقلت: إن القاضي أبا خازم امتنع من تفريق مال الوقف حتى يؤخذ ما على أمير المؤمنين. قال: فسكت ساعة، ثم قال: أصاب عبد الحميد، ثم أمر بإحضار المال ودفع إلي أربعمائة دينار، فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم، فقال لي: اجمع ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غدٍ في سبله، قال: ففعلت ذلك، فكثر شكر الناس من أبي خازم بإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وشكرهم للمعتضد في إنصافه.
وقال أبو طاهر محمد الهذلي: كان أبو حازم جالسًا للقضاء فارتفع إليه خصمان، فاجترأ أحدهما، بحضرته إلى ما أوجب عليه التأديب، فأمر بتأديبه فأدب، فمات في الحال، فكتب إلى المعتضد: اعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. أن خصمين حضراني، فاجترأ أحدهما، فأمرت بتأديبه فمات، وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين، فمات في الأدب، فالدية واجبة في بيت مال المسلمين، فأمير المؤمنين يأمر بحمل الدية؛ لأحملها إلى ورثته. قال: فعاد الجواب إليه بإنفاذ الأمر، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر القاضي ورثة المتوفى، ودفعها إليهم.
وقال مكرم بن بكر: كنت في مجلس القاضي أبي خازم، فارتفع إليه شيخ وصبي، فادعى الشيخ على الصبي بألف دينار، فأقر الصبي فطلب الشيخ حبسه، فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض وتسأله إنظارك، فقال: لا، فطلب الشيخ حبسه، قال: فتفرس القاضي أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر، قال: فقلت: لم أخر القاضي حبسه؟ فقال: