للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأقبلت الركائب تهوى إليه، وترى تمام الحج الوقوف عليه، وهو يَنشُرُ إزاء الركن اليماني جرأته، ويطوف بالبيت العتيق حول حجراته، حتى استدعت غروس دمشق وده الفارك، واسترعت عهده وقد حيل دونها يضرب كأفواه الحيتان الأوارك، فراجعها بعد مطال، وضاجعها بعد هجر طال، وكان بها ظاهر الكرامة، طاهر الثوب من دنس لا يدنس بالملامة.

تفقه ببخارى على الإمام عبد العزيز بن عمر بن مازه وغيره، وسمع الحديث من جماعة بما وراء النهر.

قال ابن عساكر (١): قدم دمشق سنة بضع عشرة وخمسمائة ونزل بالمدرسة الصادرية، فناظر في الخلافيات، وعقد مجلس التذكير، وحصل له قبول، فحسده علي بن مكي الكاساني مدرس الصادرية إذ ذاك، وتعصب عليه الحنابلة؛ لأنه أظهر خلافهم، فمضى إلى مكة، وجاور بها، وصار [إمام] الحنفية بالمسجد الحرام، ثم ندم الكاساني على خروجه، وقال لجماعة من أصحابه كاتبوه إلى مكة، ورغبوه في الرجوع إلى دمشق، واذكروا له أن عليًا الكاساني يسلم المدرسة إليه.

قال ابن عساكر (٢): الكتب على يدي، فأوصلتها إليه بالمسجد الحرام سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فذكر أن عوده في ذلك العام متعذر، فلما كان بعد ذلك مضى إليه الفقيه سعيد بن علي بن عبد الله البوزكندي، وحمله إلى بغداد، وتوجه به إلى دمشق فقدمها وتسلم المدرسة، واشتغل بالتدريس والتذكير، فحصل له جماعة كثيرة، ووجاهة عند الخاصة والعامة.

وكان صحيح الاعتقاد، حسن السمت، محبًا لنشر العلم، مراعيًا للأصحاب، سخي النفس، وعقد مجلسًا للإملاء، فحضره خلق كثير، وجمع كبير، وكانت كتبه، بخراسان، فوجه من جاءه بها، وجعلت له دار طرخان مدرسة فدرس بها، ودرس أيضًا بمسجد خاتوني، ووقفت عليه أوقاف، وفتح عليه فتوح، ولم يدخر منها شيئًا، ولا يمسها، ثم إنه خرج إلى حلب ليفقه أهلها، وينشر السنة بها، فانتفع به


= الإسلام ٢/ ٦٤، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٧٦ رقم ١٨٤، والعبر ٤/ ١٣١، وعيون التواريخ ١٢/ ٤٧٤، ومرآة الجنان ٣/ ٢٨٨، والجواهر المضية ٢/ ٥٦٠_٥٦٢، والدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٨١، والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٠١، وطبقات الفقهاء لطاش كبري زادة ٩٤، وكتائب أعلام الأخيار، رقم ٣٤٥، والطبقات السنية، رقم ١٤٧٥، ومختصر تنبيه الطالب ٨٠، ٨٧، ٩٤، ٩٥، وشذرات الذهب ٤/ ١٤٨، والفوائد البهية ١٢٠، ١٢١، تاريخ الإسلام (السنوات ٥٤١_٥٥٠ هـ) ص ٣١٧ رقم ٤٤٩.
(١) تاريخ دمشق ٤١/ ٣٣٩.
(٢) تاريخ دمشق ٤١/ ٣٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>