قد لطمني فألقاني وأنا استغفر الله مما جرى، ولا بد لي في غد من زيارة هذا الشيخ، فلما كان في الغد أتى شمس الملوك إلى الشيخ وزاره واستغفر وتاب، ثم كان من بركة الشيخ أن ذلك القصر وقف خانقاه على الصوفية إلى الآن بطريق النيرب.
وقال أبو العلا بن أمين الدولة: كان سبب توبة نور الدين محمود بن زنكي عن شرب الخمر، وإقباله على الخير والصلاح أنه دخل ذات يوم على البلخي يزوره، فأخذ الشيخ يعظه فرق قلبه وبكى، فقيل للشيخ سرًا: اذكر له في الخمر شيئًا، فشرح الشيخ، وأطنب في ذكر الخمر، وذكر ما جاء فيها من الأحاديث ونور الدين يبكي، ولم يزل حتى تاب نور الدين على يد الشيخ توبة نصوحًا في ذلك الوقت.
قال ابن العديم: حدثني ابن قاضي العسكر، قال: حدثني جماعة من الفقهاء من أصحاب البلخي منهم والدي، قال: عمر آنق صاحب دمشق دارًا فاحتاج فيها رخامًا، فذكرت له أسكفة عظيمة من الرخام على باب مسجد دمشق، فأمر بقلعها، وعمل أسكفة عوضها من غيرها، فجاؤوا، واقتلعوها وحملوها ومعهم الملاهي لحملها، فبلغ الخبر الشيخ، فخرج من منزله، وتبعه جماعة من الفقهاء، وجعل لا يمر بمحلةٍ إلا اجتمع معه خلق منها حتى كثروا جدًا، ولا يعلمون إلى أين يذهب، فلقيهم في الطريق ومعهم الأسكفة، فقال لهم: ارجعوا، فلم يسعهم إلا امتثال أمره، فعادوا ووضعوها في مكانها، ثم أتوا إلى آنق صاحب دمشق، فأخبروه فأنكر عليهم امتثال أمره، فقالوا: لو لم نفعل ذلك هلكنا من كثرة الخلق علينا. فأنفذ إليه، فقال له السلطان: دمشق لك هبها لي، فقام وخرج ماشيًا حتى أتى بصرى، والوالي بها ربيع الإسلام أمين الدولة فأكرمه، وأحسن إليه، وأنزله في مدرسة كانت له هناك، فوقع بين صاحب دمشق ووالي بصرى خلاف، فأتى صاحب دمشق إلى بصرى محاصرًا لها، فأرسل إلى واليها أنفذ إلي البلخي ليصلح بيننا. فقال ربيع الإسلام للشيخ: إن هذا الجبار قد سأل أن تخرج إليه، فأجابه الشيخ إلى ذلك، فخرج إليه فالتقاه صاحب دمشق، وأكب على قدميه يقبلها والشيخ لا يرفعه عنهم، ثم قال له: ما جئت إلا لأجلك فإني لم ألق خيرًا منذ خرجت ولا لقيت دمشق خيرًا منذ خرجت، ولابد من الرجوع إليها معي، وأخذه معه وعاد فتلقاه أهل دمشق أحسن لقاء.
قال ابن العديم في تاريخه: أنا داوود بن عمر خطيب بيت الأبار، حدثني عبد الرحمن بن عساكر، قال: أحكي لك حكايتين عن الشيخ البلخي. أما إحداهما فإنه استفتي في قضية، فأفتى فيها، فحمل صاحب الفتيا الفتوى إلى ديوان نور الدين، فلم يعملوا بها، فجاء إلى الشيخ، فحكى له ذلك، فشق عليه وقال: بلد لا يعمل فيها بما