نفسي لكنت معه عليها، ولو بعث سهمًا إليها لتولت يدي إلقاءه إليها، فلقد أخرجني من أرضه بسحره (١)، وندم خادمه على ما فات فيها من عمره، فهو الآن لا يرفع إليها طرفًا من كسله، ولا يرى نيلها إلا أقل من مسيل بردى ووشله، وإذا رأى دينارها الأحمر قال: به حمرة من خجله، وإذا رأى إبليزها الأسود قال: من سواد عمله، وإذا رأى هرميها قال: انكسر نهداها، وإذا رأى رملتها الحاقة قال: شاب فؤادها. ثم راجع النظر فإذا اللفظة التي أطلقها سيدنا عليها وهي المومسة تأبى العلقة فكيف له أن يقذف المستورة بهذا القذف، ويهجم على خدرها بهذا الوصف، وقد وفد إليها عن شامه حين أخذ الكفر يمتحق إسلامه فأنجدته وأصرخته وسكنت الروع وأفرخته، وعاد إلى الفائت الدرك وقال الناس ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ﴾ (٢). وإذا كانت دمشق من عتقاء مصر فلا فخر لها أن تكون مولاتها مومسة، وقد سرت بهذه اللفظة فما كأنها دخلت كتابه ولا مجلسه».
قلت: وأما «الشام» فيزرع غالبه على المطر، وهو من جميع ما ذكر في مصر من الحبوب. ومنه ما هو على سقي الأنهار، وهو قليل.
وبها أنواع الأشجار وأجناس الثمار من التين، والعنب، والرمان، والسفرجل، والتفاح والكمثرى، والإجاص، والقراصيا والتوت، والقرصاد، والمشمش، والزعرور، والخوخ - وهي المسمى عندهم الدراقن - وأجلها بدمشق من غالب ذلك على أنواع منوعة وأجناس متعددة شتى. ومنها فواكه تأتي في الخريف وتبقى إلى الربيع كالسفرجل، والتفاح، والرمان، والعنب.
وبها الجوز واللوز والفستق، والبندق.
وبها الليمون والأترج والنارنج، والكباد، والموز، وقصب السكر من أغوارها يحمل إليها من نحو يومين وأزيد.
وبها البطيخ الأصفر والأخضر على أنواع، والخيار، والقثاء، واليقطين، واللفت، والجزر، والقنبيط والهليون، والباذنجان والملوخية، والبقلة اليمانية، والرجلة، وغير ذلك من أنواع الخضروات المأكولة.
(١) إشارة إلى سورة الشعراء: الآية ٣٤. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ﴾. (٢) سورة يوسف: الآية ٣١.