وبها جبل لبنان المشهور المبارك البقعة موطن الأولياء والصلحاء والسواح، يأوي إليه كثير ممن انقطع إلى عبادة الله ﷿، وهو مدرج طريق الفقراء وقطب مدار الأولياء يقر بهذا من عرفه، ولا يستطيع الكاره من جهله.
ومع ما ذكرنا من حسنها قد ذمها القاضي الفاضل فقال:«وكتابي إليها من إحدى المضايق بل المطابق المسماة بعلبك، وأنا نازل على عين يصم السمع هديرها، فوق جبال يقمر العين صديرها، تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، أمامي قتال يدير كأس المنون فيه مديرها، ورأى أحجار المنجنيقات التي إذا رأت نفطها حروف البروج محيت سطورها. والله المستعان على ما يصفون».
[حمص]
مدينة قديمة اسمها القديم سوريا كانت معظمة عند ملوك الروم، كرسي ملك لهم، ولم تزل يشار إليها بينهم بالتعظيم. وهي في وطاءة ممتدة على جانب نهر العاصي في شماليه مبنية بالحجر الأسود الصغير، وبها قلعة لا تمنع، ويستدير بها سور هو أمنع من القلعة، وأسمح من أبراجها في الرفعة، ولها من العاصي ماء مرفوع يجري إلى دار نائب السلطنة (١) بها وبعض مواضع بها. ولها من بر بعلبك أنواع البر، وظاهرها أحسن من باطنها، لاسيما في زمان الربيع، وما تلبس به ظواهرها من حلل الربيع الموشعة بالأزهار ما مد النظر، ترنو بأحداق النرجس وثغور الأقاح، وتتوسط بها البحيرة الصافية الماء الضافية النماء ذات السمك المنقول من الفرات إليها حتى تولد فيها، والطير مبثوث في نواحيها.
وبها إلى جانب مسجدها الجامع قبة العقارب لا يوجد لها نظير يقال: إنها طلسم قديم موضوع لدفع العقارب عنها، ولأجل هذا لا يوجد بها شخص عقرب، ولا يحمل عقرب إليها إلا ويموت بها. ومن أخذ ترابًا من أرض حمص وخلطه بماء حتى يصير طينًا ثم ألصق تلك الطينة ببعض جدران تلك القبة من داخلها وتركها حتى تسقط بذاتها من غير أن يلقيها أحد، ثم أخذها ووضع شيئًا منها في بيته لا تدخله عقرب، فإن ذر على عقرب منه أحدث بها مثل السكر وربما زاد عليها فقتلها. هذا لا يحتاج يسأل عن تحقيقه، ولا يأبى من هو في غاية المشرق أو المغرب من تصديقه، بل والذي يقال: إن هذا الأمر لا يختص بهذه القبة وإنما هو خاصة في