للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عامة أرض حمص لا تقرب عقرب ثيابه وأمتعته ما دام عليه من غبار ترابها.

حدثني خلق بهذا، ورأيت بعيني وجربت ما يتعلق بالطين الملصق بالقبة، وإلى هذا أشار الفاضل في البشرى بفتوحها: «دب إليها من عقارب المجانيق ما خالف عادة حمص في العقارب، ورميت بها الحجارة على الحجارة فظهرت العداوة المعروفة بين الأقارب».

وحمص تتلو الإسكندرية فيما يعمل فيها من القماش الفائق على اختلاف الأنواع وحسن الأوضاع لولا قلة مائه وفحولة جسمه، مع أنه يبلغ الغاية في الثمن، وإن لم تلحق إسكندرية مصر فإنها تفوق صنعاء اليمن.

[حماة]

مدينة قديمة وهي في وهدة حمراء ممتدة عليها نشزان عاليان مطلان عليها يسميان قرون حماة. ذكرها امرؤ القيس هي وشيزر في شعره لما مر بهما في طريقه إلى قيصر (١).

وهي مدينة على ضفة العاصي بناء مكينًا بالحجارة، ولها قلعة ملونة الأحجار يستدير بها، سور، وبيوت ملوكها وسرواتها مطلة على النهر بها القصور الملوكية، والدور السرية والمساجد والمدارس والربط والزوايا والأسواق التي لا تعدم نوعًا من الأنواع ولا صنفًا من الصنوف جليلها وحقيرها. وغالب مبانيها العلية، وآثار الخير الباقية فيها من فواضل نعم الدول الأيوبية فيها. ولها النواعير المركبة على العاصي، تدور بذاتها وترفع الماء إلى الدور السلطانية ودور الأمراء والبساتين والغيطان. وفي بساتينها الأشجار والغراس المفنن الأفنان، وبها بقايا الناس وأنموذج الكرام يخدمهم العلماء بتصانيفهم والشعراء بمدائحهم، ويقصدهم الفقراء والسؤال وطوائف بني الآمال، ويتفنن أرباب الصنائع في دقائق الأعمال وتقدم إليهم التحف ويختصهم التجار ببدائع الطرف، وكرمهم يربي على الأمل ويزيد على الرجاء، حتى إن كل أحد ليعلق من ملوكها للطماعية بنصيب ويفردهم بقصد، وهم أجود من الغمام السكوب وأندى من الرياح ندى عند الهبوب.


(١) في قوله: [من الطويل]
تَقَطَّعَ أسباب اللبانة والهَوَى … عَشِيَّةَ جاوزنا حَمَاة وشَيْزَرَا
(ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف ١٩٦٩، ص ٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>