للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم نعود إلى ذكر حماة فنقول: إنها لم تكن في القديم نبيهة الذكر، وكان الصيت دونها لحمص، ثم تنبه في الدولة الأتابكية ذكرها. فلما جاءت الدولة الصلاحية الناصرية، وانتقلت حماة إلى ملوك بني أيوب مصروا مدينتها بالأبنية العظيمة والمساكن الفاخرة، وتأمير الأمراء فيها وتجنيد الجند بها، وعظموا أسواقها وزادوا فيها القصور والغراس وجلبوا إليها من أرباب الصنائع كل من فاق في فنه، وبقي كل ما لمحاسنها يكبر ويزداد إلى أن أضحت الآن تامة المحاسن معدودة في أمهات البلاد وأحاسن الممالك.

وبها الفواكه الكثيرة والخيرات الغزار. وأسعارها حية وسمتها ملوكية، خلا أنها ذات وغر في الصيف لحجب الهواء عن اختراقها، ويعرض لها في الخريف تغير ينسب إلى الوخم، ولا يبقى بها الثلج كما يبقى في بقية الشام مدخرًا إلى الصيف ولكنه يجلب إليها مما جاورها.

وحول حماة مروج ممتدة وبر فسيح يكثر به مصائد الطير والوحش. وليس بعد دمشق في الشام لها شبيه، ولا يدانيها في لطف ذاتها من مجاورتها قريب ولا بعيد. وليس لها سوى عملين: عمل «بارين» وعمل «المعرة».

[وحلب]

مدينة عظيمة قديمة، أم أقاليم وبلاد وأغوار وأنجاد، وبها معظم قلاع الشام ومعاقله وحصونه وثغوره وتسمى «حلب الشهباء» وهي ذات القلعة البديعة العلية المنار، وهي - أعني حلب - في وسط وطاءة حمراء ممتدة، والقلعة على تل علي.

كانت قد عظمت أيام بني حمدان، وتاهت بهم شرفًا على كيوان، ثم جاءت الدولة الأتابكية فزادت فخارًا واتخذت لها من بروج السماء منطقة وأسوارًا، ولم تزل على هذا يشار إليها بالتعظيم ويأبى أهلها في الفضل عليها لدمشق التسليم، حتى وطئها هولاكو بحوافر خيله، وأقام عليها مفرقًا في أقطار الشام بعوث سراياه وجنده فهدمت أسوارها وخربت حواضرها، فأصبحت يرثى لها الشامت، ويبكي بها اللاهي، وهي على ما توالى عليها من المحن وأطاف بها من نوب الأيام، مصر جامع ومبصر رائع، مبنية بالحجر الأصفر الذي لا يوجد مثله في البلاد، كأنها به رافلة في حلل الديباج ماثلة في ذهبيه الأصيل.

<<  <  ج: ص:  >  >>