للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فائدة جليلة تتعلق بذكر غزة]

قالوا: يجوز أن يكون اسمها مأخوذًا من الغز، والغز الشذق وهما غزان، سميت بذلك لأنها في فم الشام مما يلي شقه البحري. أو يكون مأخوذًا من قول العرب: أغزت البقرة فهي مغز إذا عسر حملها، سميت بذلك لعسر السير إليها على الناس والدواب للرمل المتاخم لها. وتعرف في القديم بغزة هاشم، سميت بهاشم بن عبد مناف (١)، جد رسول الله ، وإليها كانت رحلة قريش - وهي إحدى الرحلتين المذكورة في القرآن (٢) رحلة الشتاء والصيف، وهي الصيفية منهما - وكان عليها حصن منيع قد بقيت منه بقية إلى الآن هدمته قيس لما جاء إليها بعض قبائل اليمن. وفيها يقول أبو عامر السلمي في قصيدته المسماة بالذاهية، وهي ثلاث مائة بيت، يهجو بها اليمن ويذكر مثالبهم من القرآن والأخبار ويذكر مناقب قريش: [من الوافر]

ونحن الموقدون على حروري … ونحن لحصن غَزَّةَ هادمونا

وفي غزة هاشم بن عبد مناف، وكانوا أربعة أخوة: هاشم هذا وقبره بغزة، ثم مات بعد أخوه عبد شمس وقبره بمكة بالحجون، ثم مات بعدهما أخوهما نوفل بطريق العراق بموضع يقال له سلمان: وقبره هناك، ثم مات بعده أخوه المطلب بأرض اليمن في موضع يقال له: ردمان وقبره هناك. فهؤلاء بنو عبد مناف الأربعة.

تتمة في ذكر سبب سفرهم الموجب لموت من مات منهم غريبًا.

اتفقوا على أنه كان لعبد مناف خمسة بنين وهم سادة قريش كلها: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس وأبو عمرو، وكان يقال لهاشم والمطلب البدران، ولنوفل وعبد شمس الأزهران. وأبو عمرو مات صبيًا فلم يكن له خبر مع إخوته وكانت العرب وقريش كلها تسمى بني عبد مناف هؤلاء الأربعة «قداح النضار» لشرفهم وجمالهم وبهائهم. وكانت قريش كثيرة التجارة، إلا أنهم كانوا لا يخرجون من مكة والحجاز، وكانت الأعاجم تأتيهم بالبضائع فيشترون منهم ويبيعون لهم، فأقاموا على ذلك زمانًا طويلًا حتى ركب هاشم بن عبد مناف فخرج إلى الشام فنزل بقيصر، ملك الروم، واسم هاشم يومئذ عمرو العلا، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنة ثريد ويجعل اللحم عليها أوصالًا ويدعو من حوله فيأكلون معه. وكان هاشم من أحسن الناس وجهًا وأكرمهم أخلاقًا، فقيل لقيصر: ها هنا رجل من قريش


(١) راجع: نهاية الأرب ١٦/ ٣٣ - ٣٨، ولصدر الدين شرف الدين كتاب «هاشم وأمية في الجاهلية» طبع.
(٢) سورة قريش: الآيتان ١ و ٢ ﴿لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف … ﴾.
انظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٤٣، تاريخ الطبري ١/ ١٠٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>