للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[وبعلبك]

مدينة قديمة البناء شمالي دمشق، يقال: إنها من بناء سليمان بن داود ، لها قلعة عظيمة مرجلة على وجه الأرض مثل قلعة دمشق، يستدير بها وبالمدينة سور منيع محصن، عظيم البناء بالحجارة الثقل الكبار من الصخر الشديد المانع، وبه ثلاثة أحجار عظيمة ممتدة تحت برج وبدنتين كوامل ذوات أطوال وعروض وسمك مرتفع كأفلاق الجبال. وفي القلعة عمد عظيمة شواهق وسيعة الدور منيفة العلو وفي هذه القلعة من عمائر من تفرد بها من الملوك الأيوبية آثار ملوكية جليلة القدر جلية الحسن كالدار الأمجدية والبحيرة.

وأما المدينة فمختصرة من دمشق في كمال محاسنها في حسن الترتيب والبناء، وجهات الوقف العامرة من الجامع والمساجد والمارستان ودار الحديث والمدارس والربط والخوانق والزوايا والأسواق النظيفة المشتملة على أنواع المبيعات، ويجري الماء في ديار هذه المدينة ومشارعها وأسواقها. ويعمل بها الدهان الفائق في الماعون مما يستحسن ويحمل منه إلى كثير من البلاد.

ويحف بالمدينة غوطة عظيمة أنيقة ذات بساتين مشتبكة الأشجار بأنواع الثمرات الحسان والفواكه المختلفة الألوان.

وبعلبك في ظاهرها عين ماء سارحة، متسعة الدائرة مشهورة بالزينة، ماؤها في غاية الصفاء، عليها بهجة الحسن بين ممرج أخضر وبستان مونق. وعليها مسجد واستجد إلى جانبها مسجد جامع كمل به طرازها المذهب وجمالها المبدع. يمد منها نهر يتكسر الحصباء في خلال تلك المروج كنصل سيف يسن فوق مسن إلى أن يدخل للمدينة وينقسم منه في بيوتها وجهاتها، ويسمى «ماء رأس العين».

ولبعلبك عين أخرى أبعد من هذه الأولى مدى يقال لها «عين اللوجوج» في طرف بساتينها البعيدة، خفيفة الماء هاضمة، لا يشرب أكابر بعلبك وأهل النعمة بها إلا من مائها، ويتصل منها فرع إلى الجانب الشمالي من بعلبك ويصب منه في قناة هناك ويدخل إلى القلعة منه، وهو من الماء المستطاب الموصوف في البلاد.

وبعلبك بلد لطيف ظريف كثير الخير والأرزاق أرخى أسعارًا من دمشق، كثيرة الأطايب وبها الملبن المعمول على أنواع يقل وجود مثلها في الأرض، لا يكاد يفوتها من دمشق فائت.

<<  <  ج: ص:  >  >>