وهل يجمعان مثل مصر؟ فقال: في مصر خلق قدر كل من هو في جميع البلاد منها إلى توريز.
وغالب من فيها من العوام والباعة وأهل المهن والصنائع، كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ﵀: أهل مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدانون في البحر. وأحمله على أنه قصد السجعة، إذ كل بلد فيها مجاهيد في أعمالهم. وما زال هذا في خاطري لا زيادة عندي عليه، إلى أن أقمت بمصر وسافرت في صحبة السلطان غالب بلادها، فرأيت خلقًا ممن عليهم أرض مسجلة قد ركب المنخفض منها ولم يركب العالي، وهم وقوف كل اثنين على مستنقع ماء وبأيديهم قفة بخيط في أذنيها وهما يترفان الماء بها ضربًا باليد إلى ورائهما في مقررة محفورة يجتمع ما ينزح منها ثم يصرف في مجاري إلى تلك الأعالي، ثم التي لم يركبها الماء يسقوها، وهم من هذا في جهد جهيد وأمر شديد. فعلمت أن هؤلاء الذين أراد القاضي الفاضل ﵀، بقوله: مجاهيد يعملون في البر، فإنه ليس في البلاد أشد جهدًا منهم؛ فإنهم ملزمون بدرهم معين وإردب معين، فإن لم يعملوا هذا أضنكهم الطلب ولم يجدوا جهة للوفاء.
وأما بر الديار المصرية فهو ريف ممتد بين حاجزين واعقد رمل مفصل بالقرى [كذا]، وهي مبنية بالطوب سود الظواهر، يحف بها نخل يقل في بعض ويكثر في الأخرى، كلها على أنموذج واحد من رأى واحدًا منها فكأنما رآها كلها.
[وقوص]
مدينة على شرقي النيل في أعلى الصعيد واقعة في المباني، ذات ديار جليلة، وفنادق، ورباع، وحمامات ومدارس. يسكنها جلة من التجار والعلماء وذوي الأموال. وهي أول محط ركاب تجار الهند والحبشة واليمن والحجاز الواصلين من البحر الملح من صحراء عيذاب. وبها المكاسب، ولها البساتين والحدائق ومنابت البقول والخضراوات، لكنها شديدة الحر كثيرة العقارب والسام أبرص، وبها صنف من العقارب القتالات حتى إنه يقال فيها عن الملسوع: أكلته العقرب؛ لأنه لا يرجى له إفاقة.