قلت: والباب (١) هو طاغيتهم العظمى. عندهم أن الحلال ما حلل والحرام ما حرم، ولا لأحد عندهم مندوحة أن يتأخر عن أمره أو يتقدم.
[فصل]
ومن شيعة هذا السلطان طائفة تعرف «بالإسماعيلية»(٢) مساكنهم في مصياف،
(١) الباب وهو البابا le pape: وهو القائم بأمور دين النصارى الملكانية وكرسيه بروما. «الصبح ٥/ ٤٨٢، وراجع: السلوك ٢/ ٢٨٦ هـ». (٢) الإسماعيلية: اسم عام للفرق التي تعتقد بإمامة الابن الأكبر للإمام الصادق ﵇ وهو إسماعيل، أو إمامة نجله محمد. وسموا بأسماء مختلفة في شتى المناطق، منها: الباطنية، والتعليمية، والسبعية، والحشيشية، والملاحدة، والقرامطة. وكما جاء في التواريخ. فإن الإمام الصادق ﵇ نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، ولما علم أنه شاب فاسق خلعه. وفي نفس تلك الفترة توفي إسماعيل. فنصب الإمام الصادق ﵇ ولده الرابع وهو الإمام الكاظم ﵇ للإمامة بعده. كانت وفاة إسماعيل سنة ١٤٠ هـ، أي: قبل وفاة أبيه بخمس سنين. ودفن في مقبرة البقيع، وقبل دفنه أحضر الإمام الصادق ﵇ والي المدينة مع جمع من وجهائها وشخصياتها، وأشهدهم على موته رفعًا للشبهة، ومات إسماعيل في دية العريض على بعد أربعة فراسخ عن المدينة، وحملت جنازته على أكتاف الناس، ثم كتب الإمام ﵇ محضرًا على وفاته موشحًا بخطوط الحاضرين، حتى دفنوه في البقيع. ولما مات إسماعيل، ظن الشيعة أن موته كان فجأة، فقالوا: لقد حصل بداء في أمر الإمامة. وتتحدث المصادر الأولى للإسماعيلية غالبًا عن شخص يُدعى: أبو الخطاب محمد بن أبي زينب أو مقلاص بن أبي الخطاب من موالي بني أسد الذي كان له ضلع في إمامة إسماعيل. كان هذا الرجل في بدء أمره من أصحاب الباقر والصادق ﵉ وبسبب غلوه، لعنه الإمام الصادق ﵇ وتبرأ منه. يقول النوبختي: كان أبو الخطاب في بدء أمره من الدعاة إلى الإمام الباقر والإمام الصادق ﵉ ثم غالى فيهما حيث أوصلهما إلى درجة الألوهية، فطرده الإمام الصادق ﵇ على أثر ذلك، وكانت عاقبة أمره أنه قتل على يد عيسى بن موسى بسبب غلوّه. ولما مات أبو الخطاب التحق أتباعه بمحمد بن إسماعيل حفيد الإمام الصادق ﵇ وعلى عكس ثلة كانت لا تزال تشك في موت إسماعيل، وتظنه غائبًا، شهد هؤلاء على موت إسماعيل في حياة أبيه، واعتبروا ولده محمدًا إمامًا بعده بدلًا عن الإمام الصادق ﵇. وذكر داعية الفاطمية: أبو حاتم الرازي في كتاب «الزينة»، وهو من مؤلفات القرن الرابع الهجري، إن أبا الخطاب من مؤسسي المذهب الإسماعيلي. وذكرت اعتقادات أبي الخطاب في كتابين من كتب الإسماعيلية، أحدهما: «أم الكتاب» وهو كتاب مشهور، ومن الكتب السرية المقدسة عند الإسماعيلية. اعتبر أبو الخطاب فيه كسلمان الفارسي من حيث الأهمية والعظمة، كما جاء فيه: «إن مذهب الإسماعيلية هو المذهب الذي وضعه أبناء أبي الخطاب الذي قدم جسده قربانًا لنجل الإمام الصادق ﵇ كي يبقى ما بقي الدهر». والآخر =