وملوك الحبشة تعظم هذا البطريرك وتشير إليه بالتعظيم، وإذا جاءهم كتابه عملوا به لا خروج لهم عنه ولا مندوحة لهم عن حكمه، وهو يولي عليهم مطرانًا بعد مطران (١)، كلما مات واحد بعث غيره نائبًا له فيهم، وذلك المطران يقوم بالحبشة مقام البطريرك في الأمر والنهي فيهم وانقيادهم أجمعين إلى طاعته من غير مخالفة له ولا عليه في شيء.
حدثني من أثق به أن بعض التجار بمصر جهز مالًا له مع مسفر به إلى الحبشة فمات المسفر، ويئس صاحب المال من ماله وكان مالًا كثيرًا فعيل صبره، وشكا إلى السلطنة بمصر حاله، فقيل للبطريرك فكتب كتابًا إلى ملك الحبشة يأمره بإعادة مال الرجل إليه. ثم إن صاحب المال سفر رجلًا اعتمد عليه فما طال به المكث حتى أتى بجوابه بالامتثال وأحضر معه جميع المال بعينه أصله وربحه.
وحكى عن تعظيم الحبشة لكتاب البطريرك أنه منذ دخل حدود بلادهم وعلموا بالكتاب تلقاه عمال الأطراف بها ورفعوا الكتاب على رمح وحملوه هو ومحضره ومن حضر معه على أرفة الدواب ورتبوا له الإنزال والإقامات يوصله أهل كل عمل إلى الآخر على هذه الصورة حتى انتهى إلى حضرة الملك، فبالغ في إكرامه وإنزاله وإضافته. فلما كان يوم الأحد أخذ منه الكتاب وقرأه المطران في الكنيسة على الملك وهو واقف مكشوف الرأس إلى أن فرغ، ثم أمر بإحضار المال وتسليمه إليه، ولم يخرج من مكانه حتى أوصل إليه المال، ثم وصله بصلة جيدة وأعاده مكرمًا والإنزال جار عليه من عمل إلى عمل إلى أن خرج من حدوده.
قلت: ولهذا جميع ملوك النصرانية، الملكية (٢) واليعاقبة، تهادى صاحب مصر وتراسله لاحتياجها لتمكن المترددين من عندهم من زيارة قمامة وبقية مزاراتهم. واليعاقبة أكثر حاجاتهم إليه لمقام بطريركهم عنده فإنهم لا باب لهم، بخلاف الملكية فإن لأولئك الباب وهو برومية.
(١) المطران: هو بمثابة القاضي الذي يفصل في الخصومات بين الأقباط (الصبح ٥/ ٤٧٣). (٢) الملكية أو الملكانية: المعروفون اليوم بالروم الأرثوذكس وهم القائلون بالطبيعتين. وكان هو مذهب الإمبراطورية البيزنطية، ولم يكونوا كثيرين بمصر كما كان أغلب الموجودين بمصر منهم من غير المصريين. «الصبح ١٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧، السلوك ١/ ٩١٢ - ٩١٣ هـ، قاء قاسم: أهل الذمة ١٠٣ - ١٠٥».