القرطبي (ت ٣٤٠ هـ)، وعنه سمعها الأسعد بن عبد الوارث القرطبي، واتخذ عنها هذا فرعا تناسلت عنه نسخ، ووقعت إلينا إحداهن مغربية السند والنسخ والقرار، وها هي اليوم ترجع عارة إلى المشرق، محققة مذللة العقابيل؛ ليدل أن العلم متسع الأفق، وأنه رحم بين أهله، وأن المملكة المغربية وسيط أمين في استزداد كثير من الأصول المشرقية الضائعة.
ولم يخل الكتاب عينه - عدا إسناده - من شجنة تذكر بالأندلس؛ فقد سمى الفلاس عياض بن عقبة الفهري فيمن روى عن ابن عباس ممن سكن المدينة، وهذا ذكره عبد الملك بن حبيب فيمن دخل الأندلس من التابعين (١).
[إطلالة ثانية: تاريخ أبي حفص ومكانه.]
حقيق ببيت أبي تمام السائر:
أبقى على جولة الأيام من كنفي … رضوى وأسير في الآفاق من مثل (٢)
أن يصرف إلى كتابنا هذا، أحد المخطوطات النادرة، فإنه غالب الأيام ـ وكانت به ضنينة - فغلبها، واستأثر به النسيان دهرا فبذه وشب عن طوقه، وأخرجته يد الأقدار الحانية من خبئه منقادا إلى حيث شاء الله له، ولا جرم؛ فإنه لعالم روت له الجماعة، واقتعد الصدر من مجلس شيوخ البخاري، وكتابه من آثار المدرسة البصرية النقدية، التي أتت أكلها على عين من شيخيها الأكبرين: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وقد أفضى علمهما إليه، ونزف ما عندهما، وورثهما بحق، حتى قال عباس بن عبد العظيم العنبري البصري (ت ٢٤٦ هـ): «لو
(١) التكملة لكتاب الصلة: (٤/ ٣٤؛ رت: ٩٧). (٢) ديوانه: (٢/ ٤٥)؛ من قصيدة مطلعها: مالي بعادية الأيام من قبل … لم يثن كيد النوى كيدي ولا حيلي