رأس المئة الثالثة» (١)، ليتناقص بعد ذلك جدا ويتلاشى (٢).
وقد ألفته أنحاء البصرة ومساجدها وارباضها، صبيا يسعى إلى مجالس الحديث وحلق العلم، مزاحما أكابر طلبته وشيوخه - يرفده في ذلك نماؤه إلى بيت عرف الحديث وأهله من قديم - فرضع أفاويق علم الإسناد من أمه، وقد كان أبوها «بحر» محدثا مشهورا، عرفت به معاجم الرجال على ضعف فيه من جهة الضبط، فنسب صاحبنا إليه، ولم يكن أهله ليجدوا غضاضة بسبب ما مر، في أن يدعوا هذا الحدث، مع ما مال إليه من طلب الحديث، والتنقير عن شيوخه، على فتاء من سنه، وطراوة في عوده، وقد عرف الصبي مغبة ذلك، ثم تبه إليه أو تنبه إليه هو ـ إذ كان مميزا كما يلزم للأخذ - يوم حضر مجلس حماد بن زيد، وهو صبي وضيء، ثم حكى بعد ـ على تفصيل يطول إيراده -: «ففرزت فلم أعد»(٣).
وحضوره مجلس حماد وهو في غيسان الصبا مومى إلى الحاسة النقدية المبكرة التي استصحبها فصحبته، وأفضت به إلى أن يصير واحدا من صيارفة الحديث في القرن الثالث.
ثم شب الفتى وتضلع من العلم وعلا صيته، وصار مأرزا للأخذ يوم دخل الصاحبان: أبو محمد عبد الله بن مسرة بن نجيح البربري الفاسي القرطبي (ت ٢٨٦ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني (ت ٢٨٦ هـ) البصرة قبل الأربعين ومئتين، «فألفياها أكمل ما كانت أهلا ورجالا»(٤)؛ فسمعا كتاب التاريخ من أبي حفص صاحبه، واستجلب كل منهما نسخة عنه، ورواها الثاني قاسم بن أصبغ
(١) الأمصار ذوات الآثار: ٤٦. (٢) الأمصار ذوات الآثار: ٤٦. (٣) ن القصة في تاريخ مدينة السلام: (١٤/ ١١٧). (٤) أخبار الفقهاء والمحدثين، لمحمد بن حارث الخشني: ٩٦.