وقال ابن خرداذبه: وأسطوانتين بعين شمس من أرض مصر، ومن بقايا أساطين كانت هناك، في رأس كلّ أسطوانة طوق من نحاس، يقطر من إحداهما ماء من تحت الطّوق إلى نصف الأسطوانة لا يجاوزه، ولا ينقطع قطره ليلا ولا نهارا، فموضعه من الأسطوانة أخضر رطب، ولا يصل الماء إلى الأرض. وهو من بناء أوشهنك (١).
وذكر محمد بن عبد الرّحيم في كتاب «تحفة الألباب» أنّ هذا المنار مربّع علوّه مائة ذراع [من الرخام المجزّع الصّافي] (a) قطعة واحدة، محدّدة الرّأس على قاعدة من حجر، وعلى رأس المنار غشاء من صفر كالذّهب، فيه صورة إنسان على كرسي قد استقبل المشرق، ويخرج من تحت ذلك الغشاء الصّفر ماء يسيل مقدار عشرة أذرع، وقد نبت منه شيء كالطّحلب، فلا يبرح لمعان الماء على تلك الخضرة أبدا صيفا وشتاء، لا ينقطع ولا يصل إلى الأرض منه شيء (٢).
وبعين شمس نبت يزرع كالقضبان يسمّى «البلسم»، يتّخذ منه دهن البلسان، لا يعرف بمكان من الأرض إلاّ هناك، وتؤكل لحى هذه القضبان فيكون له طعم، وفيه حرارة وحرافة لذيذة (b) (٣).
وبناحية المطريّة، من حاضرة عين شمس، البلسان، وهو شجر قصار يسقى من ماء بئر هناك، وهذه البئر تعظّمها النّصارى، وتقصدها وتغتسل بمائها وتستشفي به.
ويخرج لاعتصار البلسان - أوان إدراكه - من قبل السّلطان من يتولّى ذلك ويحفظه، ويحمل إلى الخزانة السّلطانيّة، ثم ينقل منه إلى قلاع الشّام والمارستانات لمعالجة المبرودين، ولا يؤخذ منه شيء إلاّ من خزانة السّلطان، بعد أخذ مرسوم بذلك.
ولملوك النّصارى - من الحبشة والرّوم والفرنج - فيه غلوّ عظيم، وهم يتهادونه من صاحب مصر، ويرون أنّهم لا يصحّ عندهم لأحد أن يتنصّر إلاّ أن ينغمس في ماء المعموديّة ويعتقدون أنّه
(a) زيادة من تحفة الألباب. (b) هذه الفقرة توجد في الأصل بين نص ابن خرداذبه ونص تحفة الألباب. (١) ابن خرداذبه: المسالك والممالك ١٦١. (٢) أبو حامد الغرناطي: تحفة الألباب ٧٣ - ٧٤. (٣) عن دهن البلسان راجع، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦١ - ١٦٢؛ المقدسي: أحسن التقاسيم ٢٠٩؛ عبد اللطيف البغدادي: الإفادة والاعتبار ٢٣ - ٢٥؛ ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار (ممالك مصر والشام) ١٣، ٦٨، القلقشندي: صبح الأعشى ١٨١: ٢، ٢٨٧: ٣؛ أبا المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٣: ١؛ الحسن الوزان: وصف إفريقيا ٥٨٨؛ وفيما تقدم ٧٤.