دَخَلَتْ والجيشان بصفين، ومضى المحرم وليس بينهم قتال، بل مراسلات يطول ذكرها، ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فيه، وكانت بينهما بصفين وقعات كثيرة، قيل كانت تسعين وقعة، وكان مدة مقامهم بصفين مائة وعشرة أيام، وكانت عدّة القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفًا ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفًا، منهم ستة وعشرون من أهل بدر. وكان علي قد تقدّم إلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤهم بالقتال، وأن لا يقتلوا مدبرًا ولا يأخذوا شيئًا من أموالهم.
قال معاوية (١): أردت الانهزام بصفين، فتذكرت قول ابن الاطنابة (٢) فثبت، وكان جاهليًا، والأطنابة امرأة، وهو قوله (٣): [من الوافر]
أَبَتْ لي هِمَّتِي وَأَبَى بَلائِي … وَأَخْذِي الْحَمْدَ بَالْثَّمَنِ الرَّبِيحِ
وقاتل عمار بن ياسر (٥) مع علي قتالًا كثيرًا، وكان قد نيّف عمره تسعين سنة وكانت الحربة في يَدِهِ، ويده ترعد، وقال: هذه راية قاتلت مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة، ودعا بقدح من لبن فشربه، وقال: صدق الله ورسوله: [من المجتث]
اليوم ألقى الأحبة … مُحَمَّدًا وحِزْبَه (٦)
قال رسول الله ﷺ إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن، والضيح اللبن الرقيق الممزوج، ورؤي أنه كان يرتجز ويقول:[من الرجز]
نحنُ قتلناكم على تأويله … كما قَتَلْناكُم على تنزيله (٧)
(١) انظر الخبر في وقعة صفين ص ٣٩٥، وأمالي القالي ١/ ٢٥٨. (٢) هو عمرو بن عامر بن زيد مناة، الخزرجي، والإطنابة امه كان من أشراف الخزرج في الجاهلية. انظر: الأغاني ١١/ ١٢١، ومعجم المرزباني ص ٨، وفي سن ثعلب ١/ ٨٣. (٣) الأبيات في وقعة صفين ص ٣٩٥ و ٤٠٤، ومعجم الشعراء ص ٩، وعيون الأخبار ٢/ ١٩٣. (٤) في وقعة صفين ومعجم الشعراء والعيون: مكانك. (٥) عمار بن ياسر العنسي، انظر خبر مقتله في: وقعة صفين ٣٤٠، ومروج الذهب ١/ ٥٨١، وأنساب الاشراف ٢/ ٣١٠، وتاريخ الطبري ٥/ ٣٨. (٦) الرجز في تاريخ الطبري ٥/ ٣٩ و ٤١ ووقعة صفين ص ٢٤٢. (٧) أنساب الاشراف، ومروج الذهب وفيهما ضربناكم … ثم ضربناكم، وفي وقعة صفين: فاليوم نضربكم.