للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ضربًا يزيلُ الهامَ عن مَقيلِهِ … ويُذهِلُ الخليلَ عن خَليلِهِ

ولم يزل عمار يقاتل حتى استشهد . وفي الصحيح أن رسول الله قال: «تقتل عمار الفئة الباغية»، وقتله أبو غادية (١) برمح فسقط عمار فجاء آخر فاحتز رأسه، وجاءا (٢) يختصمان إلى عمرو بن العاص ومعاوية وكل يقول: أنا قتلته، فقال عمرو: إنكما في النار، فلما انصرفا قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثلما صرفت قومًا بذلوا أنفسهم دوننا، فقال عمرو: هو والله ذاك إنك لتعلمه، ولوددت أنّي مت قبل هذا بعشرين سنة.

وبعد قتل عمار انتدب علي اثني عشر ألفًا، وحمل بهم على عسكر معاوية، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، ويقول علي: [من الرجز]

أقتلهم ولا أرى مُعاوِيَة … الجاحظ العين العظيم الحاوية (٣)

ثم قال: يا معاوية علام يقتل الناس، هلم أحاكمك إلى الله، فأيهما قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال عمرو: أَنْصَفَكَ ابْنُ عمّك، فقال معاوية: ما أنصف، إنك لتعلم أن أحدًا ما بارز عليًا وخَلَصَ من مخالبه، فقال عمرو: ما يحسن بك ترك مبارزته، فقال معاوية: طمعت في الأمر بعدي. ثم تقاتلوا ليلة الهرير، شبّهت بليلة القادسية، وكانت ليلة الجمعة، وأستمر القتال إلى الصبح، وقد قيل: إن عليًا كبّر تلك الليلة أربعمائة تكبيرة، وكانت عادته أنّه كلّما قَتَلَ قتيلًا كبّر، ودام القتال إلى ضحى يوم الجمعة، وقاتل الأشتر قتالًا عظيمًا حتى وصل إلى معسكرهم وأمده علي بالرجال، ولما رأى عمر و ذلك قال لمعاوية: هلم نرفع المصاحف على الرماح ونقول كتاب الله بيننا وبينكم، ففعلوا ذلك (٤)، ولما رأى أهل العراق ذلك قالوا لعلي: ألا تجيب إلى كتاب الله؟ فقال لهم: امضوا على حقكم وصدقكم في جهاد عدوّكم، فإنهم ليسوا بأصحاب دين، وأنا أعرف بهم منكم، ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة، قالوا: لا يسعنا (٥) أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى، فقال علي: إنما قاتلتهم ليدينوا بكتاب الله، فإنهم قد عصوا


(١) في الاصل: داعية، والتصويب عن المختصر ومصادر الخبر: وهو ابو الغادية الجهني واختلف في اسمه. له صحبة ومات أيام الحجاج. انظر: أسد الغابة ٥/ ٢٦٧.
(٢) انظر الخبر في أنساب الاشراف ٢/ ٣١٢.
(٣) وقعة صفين لمجزأة بن ثور، ولعل عليًا تمثل به.
(٤) انظر عن رفع المصاحف والتحكيم: شرح نهج البلاغة ٢/ ٢٠٦ - ٢٦٤، ووقعة صفين ص ٤٨١، وأنساب الاشراف ٢/ ٣٢٣، وتاريخ الطبري ٥/ ٤٨، ومروج الذهب ١/ ٥٨٧ وتاريخ اليعقوبي ٢/ ١٧٥.
(٥) الاصل: يمنعنا وكذلك في المختصر وهو تصحيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>