نفر فجاؤا بالزبير كرهًا بالسيف، فبايع، وبعثوا إلى طلحة الاشتر ومعه نفر، فأتوا بطلحة وبايع، ولما أصبح الناس يوم الجمعة اجتمعوا في المسجد وصعد علي المنبر، واستعفى من ذلك، فلم يعفوه، فبايعه طلحة وكانت يد طلحة شلاء، وبايعه المهاجرون والأنصار خلا مَنْ ذكرنا، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثم فارقه طلحة والزبير، ولحقا بمكة، واتفقا مع عائشة، وكان قد مَضَتْ إلى الحج وعثمان محصور، وكانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه، وكانت تخرج قميص رسول الله ﷺ وشعره وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل، وقد بلى دينه، لكنّها لم تظنّ أن الأمر ينتهي إلى ما انتهى إليه.
وكان (١) ابن عباس بمكة لما قُتل عثمان، ثم قدم المدينة بعد البيعة لعلي، فوجد المغيرة مستخليًا بالمسجد مع علي، قال: فسألته ما قال له، قال علي: أشار علي بإقرار معاوية وغيره من عمال عثمان إلى أن يبايعوا ويستقر الأمر، فأبيت، ثم أتاني الآن، وقال: الرأي ما رأيته، فقال ابن عباس: نَصَحَكَ أولًا وغشك ثانيًا، وأنّي لأخشى أن ينتقض عليك الشام، مع أني لا آمن طلحة والزبير، وأنا أُشير عليك أن تقر معاوية، فإن بايع لك، فَعَلَيّ أن أقْتَلِعَهُ فقال علي: والله ما أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:[من الطويل]
وما ميتة إن متها (٢) غير عاجز … بعار إذا ما غالتِ النفس غُولُها
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، ولست صاحب رأي، فقال علي: إذا عصيتك فأطعني، فقال ابن عباس: أفعل، أيسر مالك عندي الطاعة، وخرج المغيرة ولحق بمكة.
[سنة ست وثلاثين]
فيها: أرسل (٣) عليّ إلى البلاد عماله، فبعث إلى الكوفة عمارة بن شهاب (٤)
(١) انظر الخبر في تاريخ الطبري ٤/ ٤٣٩، وفي أنساب الاشراف ٢/ ٢٠٩. (٢) كذلك ورد في المختصر الذي ينقل عند المؤلف، وفي تاريخ الطبري ٤/ ١٤٤، وفي الأصل: وما ميتة أرميتها، والتصويب عن مصادر الخبر. (٣) فيما يلي ورد في تاريخ الطبري ٤/ ٤٤٢ عن سيف بن عمر، وفي غيره ما يخالف ذلك. (٤) عمارة بن شهاب لم يذكر في رواية سيف أنه ولي الكوفة، وفي تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٦٦: (وعزل علي ﵇ عمال عثمان على البلدان خلا أبي موسى الاشعري، كلمه فيه الاشتر فأقرّه).