الآخرة من هذه السنة. ودعا (١) عليٌّ الزبير إلى الاجتماع، فاجتمعا، فقال له عليٌّ أتذكر يومًا مررت مع رسول الله ﷺ في بني غنم، فنظرتما إليّ وضحكتما لي وضحكت أنا أيضًا، فقلت: لا يَدَعُ ابن أبي طالب زَهْوَهُ، فقال لك رسول الله ﷺ: إنه ليس بِمُزْهِ، والله لتقاتِلَنَّهُ وأنت له ظالم. فقال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرته ما سرتُ مسيري هذا، واعتزل القتال وقيل بَلْ عيّره ولده عبد الله، وقال: خِفْتَ من رايات علي، فقال: لا ولكنّي حَلَفْتُ ألا أقاتل، فقال له ابنه: كفّر عن يمينك وقاتل، فأعتق غلامه مكحولًا وقاتل، ووقع الكتاب، وعائشة راكبة الجمل عسكر في هودج وقد صار كالقنفذ من النشاب، فتمت الهزيمة على أصحاب عائشة، ورمى (٢) مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتله، وكلاهما كانا مع عائشة، ونَسَبَهُ إلى أنّه أعان على عثمان فقتله طالبًا لثأر عثمان، وانهزم الزبير قاصدًا المدينة وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة، وقتل أيضًا بين الفريقين خَلْق عظيم ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل، فسقط فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل وأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة، وأنزلها في دار عبد الله بن خلف، وطاف عليٌّ على القتلى من أصحاب الجمل وصلّى عليهم ودَفَنَهم، ولما رأى طلحة قتيلًا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنت أكره أن أرى قريشًا صرعى، ثم أنشد:
فتى كان يُدينه الغِنَى مَنْ صديقه … إذا ما هو استغنى ويُبعِدُهُ الفَقْرُ
وصلّى عليه، ولم ينقل عنه أنه صلّى على أهل صفين.
ولما انصر (٣) الزبير من وقعة الجمل طالبًا المدينة مر بماء لبني تميم، وبه الأحنف بن قيس، فقيل للأحنف، وكان به نازلًا معتزلًا للقتال: هذا الزبير قد أقبل، فقال: قد جمع بين هذين الغارين، يعني العسكرين وتركهم فأقبل وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي، فلما سمع كلامه قام من مجلسه وتبع الزبير حتى وَجَدَهُ بوادي السباع نائمًا، فقتله، ثم أقبل برأسه إلى علي بن أبي طالب فقال علي: سمعت رسول
(١) انظر الخبر في شرح النهج ٩/ ١١٤، وتاريخ اليعقوبي ٢/ ١٦٩، وتاريخ الطبري ٤/ ٥٠٩، والسياسة ١/ ٧٢، والأخبار الطوال ١٤٧. (٢) انظر خبر مقتل طلحة في شرح النهج ٩/ ١١٣، ومروج الذهب ١/ ٥٦٩، وأنساب الأشراف ٢/ ٢٤٦. (٣) المختصر ١/ ١٧٤، وانظر خبر الزبير في تاريخ الطبري ٤/ ٥٣٤، وأنساب الأشراف ٢/ ٢٥١، والأخبار الطوال ١٤٧.