بالمدينة حتى ابتدأ به ﷺ المرض (١) في أواخر صفر، قيل لليلتين بقيتا منه، وهو في بيت زينب بنت جحش، وكان يدور على نسائه حتى اشتدّ مرضه وهو في بيت ميمونة بنت الحارث، فجمع نساءه، واستأذنهنَّ في أن يمرض في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فانتقل إليه وكان قد جهز جيشًا مع مولاه أسامة بن زيد، وأكد في سيره في مرضه (٢). وروى عن عائشة ﵂ قالت (٣): جاء رسول الله ﷺ وبي صداع، وأنا أقول، وارأساه فقال: بل أنا والله يا عائشة أقول ذلك، ثم قال: ما ضرك لو مُت قبلي فقُمْتُ عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ فقالت كأني بك والله وقد فعلت ذلك ورجعت إلى بيتي لعرست ببعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ.
وفي أثناء مرضه وهو في بيت عائشة خرج بين الفضل والعباس وعلي بن أبي طالب، وجلس على المنبر، فحمد الله، ثم قال: أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري، ومن كنت شتمته فهذا عرضي. ومن أخذتُ له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ثم نزل فصلى الظهر، ورجع إلى المنبر فقال مثل مقالته، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: ألا أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، ثم صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، ثم قال: إِنَّ عبدًا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، ثم قال: فديناك بأنفسنا.
ولما اشتد به وجعه، قال (٤): ائتوني بدواة وبيضاء فاكتب لكم [كتابًا](٥) لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، فقال: لا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: إن رسول الله ﷺ يهجر، وكان في أيام مرضه يصلي بالناس وإنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذن بالصلاة أول ما انقطع قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، وتزايد به مرضه، حتى توفي يوم الاثنين، ضحوة النهار وقيل نصفه.
(١) انظر تفاصيل مرض النبي ﷺ ووفاته في: طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢١٨، وتاريخ الطبري ٣/ ١٨٣ وصحيح البخاري ٦/ ١٠. (٢) انظر عن بعث أسامة: سيرة ابن هشام ٤/ ١٨٧، وطبقات ابن سعد ٢/ ١/ ١٣٦، وسيرة ابن هشام ٦/ ١٨٧. (٣) المختصر ١/ ١٥١، والخبر أيضًا في: أنساب الأشراف ١/ ٥٤٤، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢١٣. (٤) أنساب الأشراف ١/ ٥٩٢، وصحيح البخاري ٦/ ١١، وتاريخ الطبري ٣/ ١٩٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ٣٦. (٥) سقطت من الأصل.