للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مرستهم على الوقائع ملوكهم، وسلكتهم طرق المقامع سلاطينهم. فحسن فيها سلوكهم، وخصوصًا مولانا السلطان حسام الدين، فإنه ليث غابهم، وغيث سحابهم وبحر فلكهم، وآية ملكهم، ومادة شجاعتهم، وجادة خشوعهم لربهم وطاعتهم، قد فتحوا الممالك الممتنعة باسمه، وأذلوا جباه الكفر المرتفعة بوشمه، فمواكبه خالية بهم بزهو الكواكب، ومراكبه خالية فيهم بليوث تزاحم الأجل على اقتناص المهج بالمناكب، ولقد وجد المولى من مناقبهم دررًا فنظمها، ومن مفاخرهم غررًا فوسم بها جياد فضله وسومها، ومن محاسنهم بدورًا فأطلعها في أفق طرسه، ومن مكارمهم بحورًا فأعدها بما غرس من الثناء لسقيا، غرسه، ولكن ما كل من أطرى أطرب، ولا كل من أغرى القلوب بحبّ طائفة أعرب، ولا كل من وجد دررًا صيّرها عقودًا، ولا كل من رأى رتب المعالي أطاق إليها صعودًا، لا والله بل هي البلاغة التي تدنو كالشمس وتبعد عن اللمس وتقرب كاليوم، وتنأى كالأمس، فمتعه الله منها بما أعطاه، وملأه بكنز البيان الذي طلبه فأصابه، وطلبه غيره فأخطاه، فلقد تصرّف في البلاغة تصرف مالكها، وأوضح طرق أفانين البراعة فأنارت لسالكها، وأخذ من الصفاء طريقًا، كلما لاقاه صغا، المملوك فيها قال له: وجئت على قدر سالمة من تكلف الشواهد. دالة من الجانبين على ما في ضمير الغائب بالشاهد، وقد علم الله تعالى أن المملوك يدين بحبّه، ويستروح بواردات أنسه على قلبه، ويرتاح إلى لقائه ويلتاح لبارقة قرب تومض من تلقائه، وإذا كان التناجي بالقلوب فإن رسائل الأشواق لا تنقطع، ورسائل الود لا ترتفع، ورسل الصفاء لا تحتجب عن القلوب، ولا تمتنع ومظاهر الأحوال الظاهرة لا تعوق، ولوامع الأنس الباطنة أسرى في القلوب وأسرع من لمحات البروق، فليكتف عن شرح الشوق بألسنة الأقلام إلى ما تمليه الضمائر، وتبلى فيه السرائر، وإذا لم يكن بين القلوب حجب، فالأنس على الأبد حاضر، والقلب مع الدوام إلى روض الأنس الناضر ناظر، والود مسكن في الجوانح، وحُسْن اللقاء دان في المعنى وإن غدا وهو في العيان، بأرج ويسيل عن حسن المناب في بلاغ سيده وسنده وذخيرته التي يرجو بركتها ليومه وغده الشيخ أبي محمد المرجاني أعاد الله من بركته سلام المملوك وارتياحه إلى وفاء نذره بتقبيل قدمه، واطلاع علمه الكريم على أن كل نسيم خاصه أرج رسول شوق من المملوك إليه، ويتمنى كل وقت أن الله يلهمه المسير، ويتلو إذا طال عليه أمد اللقاء: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (١).

وأما من هو منهم حي مما ذوي له غرس منبت، ولا محي له طرس مثبت، ولا


(١) سورة الشورى: ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>