وأين يقع الروض من هذه المغاني التي كلّ زمنها ربيع، وأين للعقود حسن ما اشتملت عليه هذه الفقرة، من صحة السبك وجودة الترصيع، وحينئذ شرع في اجتلاء غرر الكلام واجتناء ثمر الأقلام، واقتناء درر المعاني التي تسبق إلى القلوب ألفاظها، وادخار لآلي تلك السطور التي إذا تأملتها العيون قيّدت ألحاظها، فعلم أن الله تعالى أتى سيدنا مقاليد هذا الشان، وملك بيان فضله أعنّة المعاني وأزمة البيان، وأقام من البراعة على منابر أنامله إظهارًا لمعجز البراعة خطيبًا مشقوق اللسان، وأكرمه بأخص ما فضل به البشر من التعليم بالقلم، ووهبه شرف الخلال بما جمع فيه من خلال الشرف، وجعل شرفه في الخبر حجة على من قال لا خير في الشرف، وانتهى إلى ما أشار إليه المولى من ذكر الديار المصرية، وإنه كان زارها فشرف مزارها، وحلّ دارها فرفع مقدارها، وأقام بأوطانها مختصًا بإحسان سلطانها، وأنه إذ ذاك نظرها بعين الرضا، وشكر لأهلها ودًا أراه تبرعًا ورأوه مفترضًا، فشكر الله لبحر حلّ مرابعها موقع نداه، ولبدر حلى مطالعها لوامع هداه، فلقد فارقها تمامه وكل أفق منها منير، وأقلع عنها غمامة، وبكل أرض منها روضة وغدير، وما أجدر فضله بآثار لها (١) لمحياه، وأقدر كرمه على أنهالتها (٢) أنفاسًا ما لم تزل تتشوق إليه من التعطر برياه، ليرد أهلها من فضيلة بحر علم انفجر وما انسجر، وتورد من رأي سعادة معالمها بحلوله أن السعادة لتلحظ الحجر، وأما ما أطلق فيه عنان البلاغة من وصف طائفة الترك، أعزهم الله تعالى، فلقد وصف طائفة أدال الإيمان دولتها. وأذل الطغيان صولتها، ليس لمولودهم مهد إلا لبدة جواد، ولا لسهامهم هدف إلا لبة نحر أو حبّة فؤاد، قد ألفوا الخيول حتى كأنهم سبحوا على صهواتها، واجتروا على المنون حتى انتزعوا أشلاء الأمة من لهواتها، إذا صدموا جيشًا لم تبق إلا جماجمه، وإن حضروا حصنًا لم تلق إلا آثاره ومعالمه وإن حموا ثغرًا لم يشم برقه، وإن رموا قطرًا لم ينشق عن فجر ظفر شرقه، لا يطربون لغير وقع البيض في القمم، ولا يخضبون سبب أسنتهم بغير الدماء المنفجرة على منابت اللمم، ولا يفهمون في الوغى لغير (٣) ألسنة الأسنة كلامًا، ولا يشربون إلا على نغم الظبي من طلى الطلي مدامًا، ولا يهوون الحرب إلا إذا شاب وليدها، ويقلد بمواقع الأسنة وريدها، ولا يرضون الروض إلا إذا كان له من ثني الرماح شمائل، ومن تلوّي البنود خمائل، ومن إشراق السيوف من الغمود وغروبها في القمم، غدوات وأصائل، قد
(١) كذا قرأتها وبعدها كلمة لم أتبينها. (٢) كذا في الأصل، ولم أجد لها وجهًا. (٣) في الأصل: الغير.