الظامئة ما شاهدته من دوام ديمه، وتحدّث ولا حرج عما وردته من بحر نعمه، ويصفُ كيف تتصرف الآجال والأرزاق بين الماضيين من سيفه وقلمه، ولا برحت مكارم الأخلاق وأخلاف الأكارم تشام من برق شيمه، وأحرار المحامد ومحامد الأحرار يُعدّ من إمائه وخدمه، حتى يبلغ زينته في العلاء مرام أوليائها، ويزحزح عن دورة المجد من وقف في طرق أعتابها، بالكرم واعتلائها، ويرد شاني شأنها العالي ردّ أعدائها، ويمسي في الهدى والندى كالنجوم التي ترى بأنوارها، وترتوي بأنوائها المملوك يهدي تحية ما الروض تولاه الولي، ووسمه الوسمي، وجشمته نسمات الرياح، وأطلبه رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسه الوقاح، وبادرت الصبا تقبيل ثنايا نوره من قبل أن يرشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح. بألطف من نشرها المطوي، وأطرف من خبرها المروي، وأعطر من أرجها الندي، وأذكى من نسيم عرفها الندي في الندى. وأعرف منها بآداب آدابها. وأدرى بمواقع البلاغ عمن خدم بأهدابها، وشذى بما أعبق من نشر اللطائم، وأعذب في المسامع الظامية مرجب الغمائم، وأطرف من غيث أنامل النسيم يحلّ أزرار الكمائم، وأحسن من أنساق اللآلي في سحابها، وأشرف من ابتسام ثغور البروق لبكاء سحابها، غير أنه وإن لم يفض ختومه إلا لديه محلول النطق، مبثوث في الأفق، مقصور على مجده الذي إذا حلى بدرره قبل ما كان يصلح هذا الطوق إلا لهذا العنق، وينهي ورود مشرفته الكريمة بل ديمته التي أربت بدوام الندى على كل ديمة، بل جوهرة الشرف التي لو قرنت بها درة التاج لم تسم بديمه، ولم تُسم بقيمة، بل صحيفة الكرم التي ما انطوت إلا على آيات فضله إلا لتغدو في جيد المفاخر يتيمة، وتلقاها المملوك تلقي وفد السعد، والحبيب الزائر على غير وعد، أو تلقى طلوع اليمن في أيمن طالع والغمام المقبل بعد الصدود على وجه الثرى الخاشع، وفضها المملوك على رياض هدى، وحياض ندى، وعقود بر ووفود كرم، صدرت عن بحر نوال فلم يدر أبرد أم برود؟ أم نفذ بطرفه على مجالس جود أو مجالس سجود، أم هي درر فيصيرها عقودا، أو دراري فيسيرها في فلك العلى سعودا، أو لوامع فتجتلى أنوارها أو نوابغ زهر فيجتني نوارها، ثم لم نرتب في أنها إذا كانت نورًا فقد تركب من نور، أو نجومًا فقد تألّفت من شموس وبدور، أو دررًا فإنها أجل ما تهدي البحور إلى نحور الحور، لكن عاد المملوك عن هذا التشبيه، وعاده بالأغضاء عن التقصير فيه، وقال: أين رقة هذه البلاغة من الدرر وهو جماد، ومن الماء وكلّها عذب ومنه الملح والثماد، ومن النجوم وهي تطلع أبدًا وتلك تغور، ومن النيرين وهي آمنة من الكسوف الذي يعتري الشموس، والسرار الذي يغتال البدور،