الدنيا تتعرف بجنده لزمامها، والعلياء تتشرف بأخذه في أحكامها. وأشرتم بأن المملوك والممالك مقرة بمولويته، ومجمعة على أوليته في الفضل وأولويته، فهو سامي الصدور حامي الثغور، ومالك أزمة الأمور، ومطبق أرجاء المعمور. عقد النفاسة والتكبير، وعقد السياسة والتدبير، تهزُّ باسمه المنابر، وتعزُّ بوسمه الأكابر، وتدور بأدوار سعادته الأفلاك، وتنير بأنوار سيادته الأحلام في جلوته وصفوه، ورد العطاش، وفي محو حلمه وعفوه رد العقل المطاش، ولسببه أحجال الغيث السكوب بمدراره، ولسيفه أعجال الليث عن الوثوب إلى قراره، صفات أعجزت الواصفين بلاغتها عن بلوغ شأنها، وحجزت الراصفين صياغتها عن مصوغ بيانها، فالمجيل خيل بنانه فيها مغبّر لا معتر، والمطيل فضل لسانه كي يسبق فيها مقصر ومقصر، فهنأ الله المسلمين من حواه من إيالته، ومنحهم من سماحته وبسالته، فهم قد نالوا الأماني من كرمه، والأمان في حماه وحرمه، وقد عم الهناء به شرقًا وغربًا، وشمل السرور بمملكته عجمًا وعربًا، وأقبل المسافرون على محبته مجمعين، وقد اختصصت من ذلك بما عمهم أجمعين، فالملك قطب يدار الرعية عليه، وأصل من جمع تفاريع الأحوال إليه، ومنزلته الملك في زمنه منزله القلب من بدنه، فصلاحه يصلح الوقت ويقتبل، وبعدله يقوم وزن الزمان ويعتدل، وقد صلحت بحمد الله الأحوال مشرقًا ومغربًا، وأصبح الدهر عن مدح ملك الجهتين المحروستين معربًا، واتصل من الفتح والنصر والمنهج الشامل لأهل العصر ما وقع ماله مثالًا لمثالكم والهناء عام به هنا وهنالكم، إن شاء الله تعالى، وهو المسؤول أن يحرك من نعمه ما يترادف ويتوالى، ويطوّل عزّتكم، ويحوط بكلاءته حوزتكم، ويشكر ارتياحكم للمآثر المشكورة وهزتكم والسلام الأزكى عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب شيخنا حجة الأدباء شهاب الدين أبو الثناء محمود (١)، ﵀ جوابه بما صغر قدر هذا الكتاب، وتوارى به هذا البيان في التراب، فأبطل سحره المؤتفك، وألصق بحره بقرار مجرى الفلك، وجاوز الفلك، وهو:
حرس الله مجد الجناب، ولا زالت وفود السعود تأوي إلى حرمه وتروى أخبار الندى عن كرمه، وتحلّي المسامع بما منحته من لآلي كلمه، وتنقل إلى رياض الآمال
(١) شهاب الدن محمود بن سليمان بن فهد، أحد كبار الكتاب المترسلين والشعراء المجودين، أقام بمصر وولي ديوان الإنشاء بدمشق، توفي سنة ٧٢٥ هـ، وترك مؤلفات منها حسن التوسل إلى صناعة الترسل. انظر ترجمته في مقدمته، والوافي بالوفيات ٢٥/ ٣٠١ وأعيان العصر ٣/ ٢٤٩ وفوات الوفيات ٤/ ٨٢ والبداية والنهاية ١٤/ ١٢٠.