للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبادئ والخواتم ومصنفات الكرم التي ألقت زاد المسافر وتحفة القادم، ما أوجب علي أن أذكره شاكرًا لهممه، وأشكره ذاكرًا لذممه، وكذلك لقيت من أكابر دولته المتكرمين بكرمه المتصولين بصولته. ما هو فرع من أصله وبحث من فضله، فللترك شكرهم بذلكم الطول على اليد الطولى، وتلكم المنن التي أسدوها إليَّ مشكورة في الآخرة والأولى. وكنت أسمع من ملفوظة حامدهم ومحفوظة محامدهم، ما هو بغية للسامع، وحلية للمسامع، فلما رويت من مكارمهم الذي رويت، استصغرت ما سمعت، لعظيم ما رأيت، وعلمتُ إنها إحدى الكبر لمجيء العيان رائدًا على الخبر، وأين ما سمعته أذناي مما عاينته عيناي في الله ما رأيت أكمل من ذواتهم، ولا أحصل من أدواتهم، ولا أزين من لقائهم، ولا أحسن من إلقائهم، ولا أفضل من معاملتهم، ولا أجمل من مجاملتهم، ولا أحلا من محادثتهم، ولا أحلا من مناقشتهم ولا أجمع من شجاعتهم، ولا أشجع من جماعتهم، ولا أندى من أكفهم، ولا أكفى من نداهم، ولا أجدى من وفائهم ولا أوفى من جداهم، قوم خيرتهم المحاسن في أنفسها فاختصّوا بأرفعها، وأنفسها، وحكمتهم السيادة في معاليها، فحلّوا من الأوامر والأمور أعاليها، إلى تظرف يواجهك بالوجه الوسيم، وتلطف يجاذبك مجاذبة النسيم، فأنا بعدما حجب البعد مغانيهم، وإن لم يحجب الودّ معانيهم، لم أُذكر بأوصافهم، وأُفكر في حمد يقوم بأنصافهم، فأوصافهم شرك للعقول، وشرف القائل المقول، ولكم قمت بها خطيبًا، وأزجيت من ثنائها طيبًا، وكثيرًا ما تشوقني إلى الكثرة، وتشوقني إليها المرة بعد المرة، وقد تُنجز الأيام في تقريب المزار وعدها، وتفعل فعل العزم والحركة الناشئة بالحرم على تلكم الديار بعدها، فيدرك المحبّ من القرب إليكم ما كان يهواه، ويقيم الجسم للقلب لديكم حجة على دعواه. إن شاء الله لا ربّ سواه، وإن مما زان الأيام وكساها عزّة، وزاد عندي في التشوق والتشوف هزة، ما أعظمتهم به البشر والبشرى، وأعلمتم بالإعلام به خلع ذلك المجد الأسرى، المولى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين (١)، أبقاه الله كنزًا للراجين، وحرزًا للأجين، ولا زالت


(١) لاجين، حسام الدين بن عبد الله، المنصوري، الملك المنصور، من ملوك دولة المماليك بمصر والشام كان مملوكًا للمنصور قلاوون، وتقدم إلى أن ولي نيابة السلطنة أيام العادل كتبغا، ثم خلع العادل، وولي السلطنة سنة ٦٩٥ هـ، وتلقب بالملك المنصور، وكان فارسًا عاقلًا يحب العدل ومجالسة العلماء، إلا أنه ولى مملوكه منكوتمر نيابة السلطنة فأساء السيرة، فكره الناس لاجين، وقام بعض مماليك الأشرف خليل فقتلوه في قصره سنة ٦٩٨ هـ انظر: النجوم الزاهرة ٨/ ٨٥. والسلوك ٨٢٠١ شذرات الذهب ٥/ ٤٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>