العيون بالتراب، وكان كحلها كحلا، ولصقت تلك الخدود بالكثبان، وكان تقبيلها أملا، وانهالت تلك الأدعاص على (١) الصعيد، فكان التفاتها جذلا، فوقفت معتبرا.
وما أبقيت عبرة إلا أرسلتها، ولا دمعة إلا أسبلتها، بكاء على المال لا على الأطلال، وعلى المصار لا على الديار، وعلى فقد الأحباب. لا على ذلك الخراب.
ثم (٢) جئنا إلى المسجد الجامع، ونظرت من تلك المصانع، فرأيت بنيانا بديعا، وإيوانا رفيعا، شاده ذو عزم وتأييد، وبناه أولو قوة وأولو بأس شديد، فكأنما أرسته عاد، أو بنته ملائكة غلاظ شداد، ومشينا من رتبة إلى رتبة، ومن قبة إلى قبة، حتى انتهينا إلى المقصورة، فألفينا سقفا من فضة، ومعارج عليها يظهرون (٣) وقد قرط سمكها بالذهب الأحمر، والفلز الأخضر، وبلط سطحها بماء الجوهر، وكافور المرمر، وكأن قبابها عقدت بالجفون الدعج والحواجب البلج، وكأن درجات منبرها تكاسير الشعور، مالت على متون الحور الحسان (٤)، ومناطق الأعكان، ضمت على الخصور اللدان، ألف من عاج كالمباسم، نقش نقش الدراهم، وأبنوس كالغدائر، طبع طبع الدنانير، وصندل كأطراف البنان، كتبت بهدب الأجفان، ثم اعتمدنا إلى المحراب، (فكل) خر راكعا وأناب، وجيء بمصحف عثمان ذي النورين يحمل على المفرق واليدين، فلما خلعت مطارفه، وفتحت صحائفه إذا بنموذج (٥) من فردوس الجنان، أنبت إنباتا أخضر، وطراز كخدود الولدان كما اطلعت الشعر، وكأنما خطت بمجارس النحل، ونضدت من روادف النمل، فاستمد مدادها من قلوب الكافرين، وخلق خلوقها من عيون الشهداء والصديقين، فلذلك لم يحتج بيانه إلى ضبط ونقط، ولا افتقر قرآنه إلى أكثر من ورق وخط، جرى فيه كاتبه على سجية لسانه فأمن اللحن، وأخذ بسنة أهل زمانه، فترك العجم والشكل، وآمن (٦) بقول رب العالمين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧) فألصقته بكبدي ليبرد ذلك الأوار، وأمرغت فيه خدي عسى ألا تمسه النار، ولمحت أثر دم الشهيد، فجئت من دمعي بأربعة شهود، وقلت: ألا فض فم الحسام كيف فصم لحمه (٨)، وأرغم أنف السنان كيف استرعف دمه، وتبا لعبيد الدار كيف أغمدوا أشفارهم، وعجبا من بقية الأنصار كيف ضيعوا انتصارهم،
(١) الذخيرة: في. (٢) قبلها في الذخيرة: وفي فصل منها. (٣) الذخيرة ومعارج إلى الجنة قد قرط … (٤) الحسان، لم ترد في الذخيرة. (٥) الذخيرة بمدرج. (٦) الذخيرة: وأمر. (٧) سورة الحجر: ٩. (٨) الذخيرة: قصف لحمه.