للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبو الحسن بن يحيى الوزير الجوهري (١)، فأراني بحسن صمته (٢) كلامه، ورجاحة عقله وتمامه. مراتب الوزراء المتقدمين، ومناصب العقلاء (٣) السابقين، فلما أديتُ الرسالة، جعلت أسلك في منازه المدينة، وأنظر تلك المشابه المبينة، فإذا برسومها فاتحة الأعلام، ورموزها مفهومة الكلام، ونصبها مائلة الشكل والقيام، إلا أنها كرواح مستها زمانة (٤)، وربحلة أدركتها من السنّ مهانة، ولم يبق فيها إلا رسوم من الحسن، كانتشاء الطرف، وإن مالت (٥) أجفان وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف، وإن سقطت أسنان، لكنها لم تفارق عطرها، وإن كانت بعد عروس (٦)، وتركت زيها ولم تطمع بمسيس (٧)، ولا دنست ثيابها وإن كانت أسمالا، ولا عقت شبابها و إن تجاوزت اكتهالا، فوقع بين قلبي ورونقها سفاح، لم يصدقه نكاح، وامتنع (٨) شمس بعبقها (٩) لصوق، لم يلحقه رفت ولا فسوق ووقفتُ بالقصر المرواني، وطفت على المصنع القحطاني، وانتبذتُ إلى المنزه العبدي الرحماني، فإذا الثلاث الأثافي، والديار البلاقع، فأخذتُ بالسنّة في ديار ثمود، أسكب الدموع وأمجد المعبود، فقال قريبنا: هنا كانت قصورهم، وههنا (١٠) قبورهم، قد صارت مفاصلهم ترابا، ومساكنهم تبابًا (١١)، وقد عادوا يسكنون القبور، وكانون ينهجون (١٢) بالقصور، وظلوا يعتنقون (١٣) الجلمود، وكانوا يسترهقون النهود، وصاروا يلزمون الطين، وكانوا يملون حشايا اللين، فقلتُ: أين من كان هنا من القيول الأبية، والملوك الأموية، ذو (١٤) التيجان المنظومة بالمرجان، والملابس المرقومة بالعقيان والفروش المرفوعة إلى السكاك، والعروش الموضوعة على السماك، وقد نضدت بالنمارق ومهدت بالأرائك، وحفّت بالجنود عند القعود للسلام والأحكام، وأين أسراب تلك الجواري الكنس، في مروط السندس، كأنها ما استعارت من الكثبان أكفالا، ولا من الأغصان اعتدالا، ولا من الروض أردانا، ولا من الظباء أجفانا، ولا رنت إحداهن عن جفن هم بالتهويم، فنبهه (١٥) النديم، ونظر نظرةً في النجوم فقالت: إني سقيم والآن: قد كحلت تلك


(١) الأصل: الجهوري، والتصويب عن الذخيرة.
(٢) الذخيرة: سمته.
(٣) الذخيرة: الفضلاء.
(٤) الزمانة: آفة في الحيوانات.
(٥) الأصل: قالت.
(٦) إشارة إلى المثل: لا عطر بعد عروس.
(٧) الذخيرة: ولا تركت بزها وإن لم تطمع بمسيس.
(٨) الأصل: وامتنع.
(٩) الذخيرة بمعتقها.
(١٠) الذخيرة: هناك.
(١١) الذخيرة: يبابا.
(١٢) الذخيرة: يستهجنون.
(١٣) الأصل: يعشقون.
(١٤) الأصل: ذي.
(١٥) الأصل: فنبه.

<<  <  ج: ص:  >  >>